ما بعد بعد "عليّ الطاهر": حماقة ما بعدها حماقة كان "الحزب" هو من يرتكب الحماقة وكانت إسرائيل تسجّل كل التفاصيل أُعطيت معركة تلة "عليّ الطاهر" في الجنوب أهمية أكثر من اللازم، بحيث جعلها البعض وكأنّها حرب العلمين أو إنزال النورماندي أو معركة ستالينغراد. لا شك في أنّها مدخل إلى تغيير كبير في مسار الحرب، لكنّها في الواقع ليست نصرًا كاملا لإسرائيل ولا هزيمة نهائية لـ"حزب الله". فالتلة سقطت عسكريًا، والباقي يتعلّق بتنظيف ما بقي فيها تحت الأرض والكشف عمّا تحتويه من منشآت. في 21 أيار 2023 ارتكب "حزب الله" حماقة كبيرة. قبل أربعة أيام من ذكرى 25 أيار، تاريخ انسحاب الجيش الإسرائيلي من لبنان عام 2000، أجرى الحزب مناورة عسكرية في منطقة عرمتى دعا إليها وسائل الإعلام لتغطيتها. أراد من خلال ذلك إيصال رسالة إلى إسرائيل بأنّه بات يمتلك قوة رادعة يمكنه من خلالها أن يعبر الحدود. كان ذلك في زمن الأمين العام السيد حسن نصرالله، وفي ظل فراغ رئاسي وأمني في لبنان وحكومة تأتمر بأوامر "الحزب". إعلام "الحزب" الحربي نشر مشاهد من المناورة التي شارك فيها نحو 200 عنصر، واعتبر أنها من الأكبر، وقد تخلّلها عرض عسكري و "محاكاة لهجمات تستهدف الكيان الصهيوني عبر طائرة مسيّرة أو الاقتحام". تحت عنوان "سنعبر" و"قادمون" و"بأس شديد"، أراد "الحزب" إيصال رسائل بالنار إلى إسرائيل من خلال مشهدية لاقتحام الجدار الذي أقامته عند الحدود. شاركت في العرض آليات عسكرية وراجمات صواريخ ومدافع غير مرتدة ومسيّرات ودراجات نارية. حاكت المناورة ما كان أعلن عنه نصرالله أكثر من مرّة من أنّ "الحزب" قد يطلب من مقاتليه اقتحام الجليل في أي حرب مقبلة. عبّر عن ذلك مساعده السيد هاشم صفي الدين، الذي حضر المناورة وقال: "إذا كان هناك من يفكّر اليوم في الكيان الصهيوني بارتكاب حماقة، بتجاوز قواعد اللعبة، وهو يعلم ماذا نعني وماذا نقصد، سوف نمطر هذا الكيان بصواريخنا الدقيقة وبكل أسلحتنا المتوفّرة بين أيدينا". في الواقع، كان "الحزب" هو من يرتكب الحماقة. بينما أراد أن تصل الصورة إلى إسرائيل، كانت إسرائيل تسجّل كل التفاصيل. من أين خرجت الآليات وإلى أين ذهبت. ومن أين أتى المسلحون وإلى أين ذهبوا؟ وكيف تحرّكوا وأطلقوا النار والقذائف. كانت تلك الإشارة الأساسية إلى أنفاق تلة "عليّ الطاهر" التي لم تكن سرًّا بالنسبة إلى إسرائيل. الزمن الذي جرت فيه هذه المناورة كان "الحزب" يراهن فيه على قلب المعادلة. كان يعيش في وهم القوة والردع الذي صنعته إسرائيل. حتى في القراءة الإسرائيلية لهذه المناورة، كان "الحزب" يعيش حالة من النشوة والانتصار مستندًا إلى تعليقات في الصحافة الإسرائيلية أعطته علامات كثيرة. بعد خمسة أشهر، في 7 تشرين الأول، وتنفيذ حركة "حماس" عملية "طوفان الأقصى"، انقلبت المعادلة. ظهر حجم الاختراق الإسرائيلي للحزب وقواعده وأنفاقه ومقرّات قياداته. وظهرت أبعاد الحماقات التي ارتكبها "الحزب" ولا يزال، على طريقة استناد أمينه العام الشيخ نعيم قاسم إلى روايات "موشي يائير" المتخيّلة. بنى "الحزب" استراتيجية الأنفاق والاقتحام والعبور على قاعدة أن إسرائيل آيلة إلى الزوال، وأن الإسرائيليين سيفرّون عبر الزوارق والبحار، وأن الجيش الإسرائيلي لم يعد قادرًا على شنّ الحرب ولا يستطيع القتال على أكثر من جبهة ولوقت طويل، وأنّه بات يمكنه أن ينقل المعركة إلى أرض العدو. ولذلك بنى التحصينات التي تمكّنه من تلافي عمليات القصف ويستطيع أن يخزّن فيها ما يحتاجه من أسلحة للعبور. ولكن لعبة "الحزب" كانت مكشوفة، فقد استطاعت إسرائيل أن تخدعه لوقت طويل. حتى عندما اكتشفت الأنفاق التي يحفرها من تحت الحدود للعبور المفترض، افترض أنها عرفتها بالصدفة وأنّه تمكّن من خداعها. عندما اندلعت المواجهة ودخل حرب المساندة، تعلّم الدرس ولكن بعد فوات الأوان. عندما بدأت إسرائيل عمليات الاغتيال التي طالت قيادات "الحزب" العسكرية التي كان من المفترض أن تبقى سرية من حيث هويتها وأمكنة وجودها، بدا وكأنّ السيد حسن نصرالله قد بدأ يدرك أن اللعبة ستنقلب عليه، ولذلك تريّث في دخول الحرب. لا يستطيع أن يتخلّف عن المشاركة، ولا يمكنه أن يعلنها حربًا شاملة مناقضًا بذلك كل سردياته السابقة عن القوة والعبور وتهديد إسرائيل بالزوال وبالقدرة على تدميرها خلال نصف ساعة. عندما حصلت عملية تفجيرات البيجر في 17 أيلول 2024، أيقن السيد حسن أن المأزق كبير. بحسب ما تسرّب من معاونين كثيرين له لاحقًا، فقد أفقدته العملية صوابه وهدوءه، بحيث إنّه لم يجد لها تفسيرًا، وفي كلمته التي ألقاها بعد يومين على حصولها أعلن عن عملية تحقيق داخلي وعن تضييق الإطار الذي يتحرّك فيه. ولكن كل ذلك كان من دون نتيجة. بعد اغتيال القيادي فؤاد شكر قرب منزله في الضاحية، واغتيال إبراهيم عقيل وقادة الرضوان، وتدمير صواريخه