نظريتان فلسفيتان تُكلَّلان، للوهلة الأولى، بأكاليل الغار والزهور، ولكن إن غصنا في أعماقهما، فقد نقع في قعرٍ عميقٍ وعقيم. ما هي أخلاق المبادئ، وما الفرق بينها وبين أخلاق النتائج؟ أسئلة كثيرة طرحها الفلاسفة، بدءًا من الفيلسوف الأثيني صولون (Solon)، وصولًا إلى عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر (Max Weber)، الذي ميّز بينهما في محاضرته «السياسة بوصفها حرفة». بحسب weber، تعني أخلاق الاقتناع التمسّك بالمبادئ التي يؤمن بها الإنسان، أما أخلاق المسؤولية فتتطلّب التفكير في النتائج المتوقعة للأفعال وتحمل مسؤوليتها. ولا يعني هذا التمييز أن على السياسي أن يتخلّى عن مبادئه أو أن يبرّر كل وسيلة بحجة تحقيق غاية معينة. بل يعني أن العمل السياسي لا يُقاس بالنوايا المعلنة وحدها، لأن القرارات العامة تؤثر في حياة الناس، وقد تنتج عنها عواقب تتجاوز ما كان أصحابها يتوقعونه. فالمسؤول السياسي لا يستطيع أن يكتفي بالقول إنه قصد الخير، إذا كانت قراراته قد ألحقت أضرارًا كان يمكن توقّعها أو تجنّبها. وفي المقابل، لا يكفي أن يبرّر كل إجراء بنتائجه العملية، إذا كان ذلك الإجراء ينتهك الحقوق الأساسية أو يهدم القواعد التي تمنح السلطة شرعيتها. وهذا فعلًا ما نعيشه في لبناننا، الذي يفتقر بعض سياسيّيه إلى أخلاق النتائج. فبعض مسؤولينا، وإن كانت نواياهم صافية وسليمة وصريحة، لا يدرون ما يفعلون. ولأنهم لا يتخذون قرارات حاسمة، ولا سيما في هذه المرحلة الدقيقة والحساسة من تاريخنا، فقد يؤدي هذا التمييع إلى نتائج كارثية. وإن وقعت هذه الأخيرة، وقد تقع، فلن يبقى حجر على حجر في وطننا العزيز. إياكم، أصدقائي، والحذر من التمسّك بأيّ أخلاق لا ترتكز على المبادئ والنتائج معًا. وإلا، فإلى مزبلة التاريخ نحن ذاهبون، والتاريخ لشاهد على ذلك.