في خمسينيات القرن العشرين، صاغ أول رئيس وزراء لإسرائيل ديفيد بن غوريون ما عرفت بـ"عقيدة المحيط" لتجاوز عزلة إسرائيل عبر بناء علاقات مع دول غير عربية، خصوصاً إيران الشاه وتركيا وإثيوبيا، في مواجهة صعود القومية العربية بقيادة الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر والتمدد السوفياتي. وفي 6 مارس عام 1950، منحت طهران إسرائيل اعترافاً فعلياً، ثم اتسع التعاون الأمني والاقتصادي والاستخباراتي خلال الستينيات والسبعينيات، وصولاً إلى التعاون النفطي عبر خط إيلات ــ عسقلان بعد حرب 1967. ولكن بما أن التاريخ لا يثبت على حال، فبين انهيار شاه إيران عام 1979 وولادة الجمهورية الإسلامية، مروراً بسنوات "الغموض النووي" وحروب الوكالة، وصولاً إلى الخطاب الأخير لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي يدعو علناً إلى "إسقاط النظام الإيراني"، تشهد المنطقة انقلاباً جذرياً في العقيدة العسكرية الإسرائيلية، خصوصاً بعد السابع من أكتوبر. وهنا لم يعد المطلوب "احتواء" إيران من الأطراف، بل تفكيك رأس الهرم في قلبها. فكيف تحول الحليف التاريخي إلى تهديد وجودي؟ وهل تمتلك اسرائيل أدوات هذا التغيير الجذري أم أنها مغامرة كبرى محفوفة بالمخاطر؟ بين الطموح الاستراتيجي ومخاطر الفراغ السياسّيفي حديثه الى "النهار"، يفكك أستاذ الدراسات الإيرانية الدكتور محمد محسن أبو النور، أبعاد التحول الخطير في الخطاب الإسرائيلي، مسلطاً الضوء على الفجوة الكبرى بين الضربات العسكرية الموقتة واستحالة ضمان انهيار سياسي مستدام. قبل عقود، شكّلت إيران أحد أهم شركاء إسرائيل في محيطها الإقليمي. أما اليوم، فيضع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إسقاط الجمهورية الإسلامية ضمن أهدافه المعلنة، وسط تساؤلات عن قدرة العمليات العسكرية على إحداث تغيير سياسي في دولة بحجم إيران، وعن الثمن الذي قد تدفعه المنطقة إذا تحولت المواجهة إلى حرب استنزاف طويلة. تعود جذور المفارقة إلى خمسينيات القرن الماضي، عندما تبنى أول رئيس وزراء لإسرائيل ديفيد بن غوريون "عقيدة المحيط" القائمة على بناء علاقات مع قوى غير عربية، في مقدّمها إيران الشاه وتركيا وإثيوبيا، لتجاوز عزلة إسرائيل في مواجهة القومية العربية والنفوذ السوفياتي. وفي 6 آذار/مارس 1950، اعترفت طهران بإسرائيل اعترافاً فعلياً، قبل أن يتوسع التعاون الأمني والاستخباراتي والاقتصادي، وصولاً إلى مشروع خط أنابيب إيلات - عسقلان لنقل النفط الإيراني بعد حرب 1967. قلبت الثورة الإسلامية عام 1979 تلك المعادلة. ومع انتهاء الحرب الباردة وتبدّل التوازنات الإقليمية، تحولت طهران إلى خصم رئيسي في الحسابات الأمنية الإسرائيلية. وبعد هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 والحروب اللاحقة، تصاعدت المواجهة وصولاً إلى إعلان نتنياهو أن بقاء النظام الإيراني يعني استمرار التهديد لإسرائيل. في 14 تشرين الأول، أكد نتنياهو ضرورة إسقاط النظام الإيراني، لكنه استبعد أن يتحقق ذلك قبل الانتخابات الإسرائيلية. ويرى أستاذ الدراسات الإيرانية الدكتور محمد محسن أبو النور، في حديث إلى "النهار"، أن هذا الموقف يكشف انتقالاً من استهداف القدرات الإيرانية إلى استهداف النظام السياسي نفسه، من دون أن يعني امتلاك خطة تضمن تحقيق الهدف. ويشير أبو النور إلى أن الخطاب الإسرائيلي يجمع بين الطموح الاستراتيجي والحسابات السياسية الداخلية. فالضربات الدقيقة والاختراقات الاستخباراتية واغتيال القيادات قد تلحق خسائر كبيرة بإيران، لكنها لا تكفي لتفكيك مؤسسات الحكم أو إنتاج بديل قادر على إدارة البلاد. كما أن الضغط العسكري الخارجي قد يغذي الاستياء من السلطة، لكنه قد يدفع قطاعات من المجتمع الإيراني أيضاً إلى الالتفاف حول الدولة تحت تأثير الشعور بالتهديد. تبقى واشنطن عنصراً حاسماً في تحديد حجم أي تصعيد ومدته. ففي تقرير نشرته "وول ستريت جورنال" في مطلع أيلول/سبتمبر الماضي، ورد أن الولايات المتحدة أبقت نحو 50 ألف جندي و19 سفينة حربية في المنطقة، مع تمديد بعض فترات الانتشار إلى عام 2027. غير أن هذا الحشد، بحسب أبو النور، يوفر خيارات عسكرية للرئيس دونالد ترامب، ولا يشكل بحد ذاته التزاماً أميركياً بحرب مفتوحة لإسقاط النظام. وتزداد أهمية هذا التمييز مع تقارير عن احتمال استئناف الضربات الأميركية بعد الانتخابات النصفية المقررة في 3 تشرين الثاني/نوفمبر. وأفادت وكالة "أ ب" بأن واشنطن نبهت دولاً في المنطقة إلى الاستعداد لضربات محتملة ورد إيراني، من دون أن يكون ترامب قد اتخذ قراراً نهائياً. فحتى لو تجددت العمليات، تبقى أهدافها السياسية وحدودها غير محسومة، فيما قد يردّ الإيرانيون باستهداف منشآت حيوية أو ممرات بحرية. ويخشى أبو النور أن يؤدي صمود النظام، رغم خسائره، إلى استنزاف متبادل يضغط على دول الخليج وتدفقات الطاقة عبر مضيق هرمز، فيما تستفي