التقت مواقف من أوساط "القوات اللبنانية" و"التيار الوطني الحر"، رغم خلافاتهما السياسية، عند الدفاع عن كاهن رميش، الأب نجيب العميل، عقب استدعائه إلى التحقيق القضائي في صيدا، فيما أعطت ردود الأفعال، القضية، طابعاً طائفياً وصل إلى التساؤل عما إذا كان القضاء سيتعامل بالطريقة نفسها مع رجل دين شيعي، ما أحال النقاش إلى تجييش طائفي كما هو معتاد في لبنان. وبعيداً من الاصطفافات الحزبية، تتعلق القضية ببلدة تعيش ظروفاً استثنائية في ظل الاحتلال الإسرائيلي للجنوب، وبسكان يواجهون صعوبات في التنقل والوصول إلى المؤسسات الرسمية. ورأى منتقدو إجراءات الاستدعاء، أن الأولوية يجب أن تشمل تأمين طرق الإمداد والحماية لقرى رميش ودبل وعين إبل المسيحية، وضمان استمرار الحياة فيها، بالتوازي مع ممارسة الدولة صلاحياتها القانونية. ولا يقتصر استمرار الوجود المسيحي في القرى الحدودية على أهميته بالنسبة إلى سكانها، بل يرتبط أيضاً بمستقبل الجنوب وإمكان عودة النازحين إلى بلداتهم. فبقاء الأهالي في قراهم يساهم في الحفاظ على النسيج الاجتماعي المتنوع للمنطقة، ويحد من الظروف التي قد تدفع السكان إلى الاعتماد على سلطات الاحتلال لتأمين احتياجاتهم اليومية. وتعود تفاصيل القضية، بحسب تصريحات إعلامية للأب نجيب العميل، إلى شكاوى تتعلق بمخالفات بناء في رميش، أعقبتها مذكرات جلب بحق بعض السكان. وأوضح أنه تواصل مع القاضية جيسيكا شحود للاعتراض على إحضارهم بالقوة في ظل الظروف الأمنية التي تعيشها البلدة، مشيراً إلى أنها اعتبرت كلامه تهديداً. وبحسب روايته، حذر كاهن رميش من مخاطر تنفيذ هذه الإجراءات في ظل وجود القوات الإسرائيلية في المنطقة، متسائلاً عن الجهة التي يمكن للأهالي اللجوء إليها في مثل هذه الظروف. ولا يعني الاستدعاء إلى التحقيق، بحد ذاته، ثبوت أي اتهام أو إدانة. وسلّطت قضية كاهن رميش، الضوء، على الفجوة بين الإجراءات الرسمية والظروف التي يعيشها سكان القرى الحدودية مع إسرائيل، حيث تواصل المؤسسات المعنية متابعة مخالفات البناء واستدعاء أصحاب العلاقة، بينما تعجز عن تأمين الظروف التي تسمح للأهالي بالتنقل والعودة إلى منازلهم بأمان. والاعتراض على هذه المفارقة مبرر من زاوية وطنية تتعلق بأولويات الدولة ومسؤولياتها، لا من زاوية طائفية ضيقة. وتضع القضية مسألة تطبيق القانون أمام واقع لا يمكن تجاهله: دولة تتابع مخالفات البناء في قرى تعرضت للاحتلال والتدمير، بينما تبقى حماية السكان وتأمين عودتهم وإمدادهم بالخدمات الأساسية، تحديات قائمة. ومن هنا، تكتسب المطالبة بمراعاة ظروف الأهالي مشروعيتها، بعيداً من تحويلها إلى خلاف بين الطوائف أو استثمارها في الانقسامات السياسية. ولا تعتبر واقعة رميش، المثال الوحيد على هذه الفجوة. ففي آب/أغسطس العام الماضي، تلقى صاحب منزل في بلدة العديسة، بحسب رواية تداولها ناشطون، اتصالاً من عناصر قوى الأمن الداخلي يطالبونه فيه بإزالة مخالفة بناء مسجلة قبل الحرب، رغم أن المنزل والحي المحيط به دمّرتهما الاعتداءات الإسرائيلية. وتعلقت المخالفة بحائط قرب منزل عمره نحو 120 عاماً، فيما انتقل عناصر الدرك أنفسهم إلى بلدة القليعة بعدما دُمّر مركزهم في العديسة. ويطرح الاعتراض على توقيت الاستدعاء وظروفه مسألة تستحق النقاش، خصوصاً أن سكان القرى الحدودية يواجهون قيوداً أمنية لا يتحملون مسؤوليتها، لكن اتهام القضاء بازدواجية المعايير بين الطوائف يحتاج إلى وقائع وأدلة، بدلاً من الاستناد إلى افتراضات أو توظيف القضية في الخلافات السياسية القائمة، خصوصاً مع فريق سياسي (حزب الله وحركة أمل) يمثل الطائفة الشيعية في الدولة. كذلك، لا يستدعي الدفاع عن كاهن رميش تصوير القضية باعتبارها مواجهة بين المسيحيين والشيعة، بقدر ما يقتضي التركيز على ظروف الأهالي واستمرار وجودهم في بلداتهم، وما يترتب على ذلك من مسؤوليات على الدولة. فسكان القرى الجنوبية، على اختلاف انتماءاتهم، يتأثرون بالاعتداءات الإسرائيلية والقيود الأمنية، وإن تفاوتت ظروف كل بلدة وحاجاتها. ويبقى تطبيق القانون من مسؤوليات الدولة، بما يشمل التحقيق في الوقائع ومتابعة مخالفات البناء، لكن ممارسة هذه الصلاحيات تستدعي أيضاً مراعاة سلامة السكان وقدرتهم على الوصول إلى القضاء وممارسة حقوقهم، خصوصاً في المناطق التي تواجه ظروفاً أمنية استثنائية. وعليه، فإن معالجة قضية الأب نجيب العميل، تستوجب توضيح ملابسات الاستدعاء ومتابعتها وفق الأصول القانونية، بالتوازي مع اتخاذ إجراءات عملية لتأمين طرق الإمداد والخدمات الأساسية للقرى الحدودية. وحماية الوجود المسيحي في الجنوب جزء من حماية الوجود اللبناني فيه، ومسؤولية الدولة تجاه سكان الجنوب لا تتغير باختلاف انتماءاتهم أو مواقعهم، سواء الباقين في قراهم أو منتظري العودة إليها.