تتجدد التكهنات في شأن مستقبل قطاع الكهرباء في لبنان، وتبرز طروحات متعددة لإعادة هيكلته وتنظيم إدارته، عقب تحذير رئيس "التيار الوطني الحر" النائب جبران باسيل من تقسيمه إلى مناطق منفصلة، بما قد يؤدي، بحسب رأيه، إلى نشوء "مناطق نفوذ كهربائية" وزيادة الأعباء على المواطنين. وفي ظل تعدد المقاربات المطروحة، تبرز الحاجة إلى التمييز بين التصورات الإصلاحية المختلفة، سواء تلك التي تستند إلى خطط وضعت خلال تولّي باسيل وزارة الطاقة، أو تلك المرتبطة بتطوير إنتاج الكهرباء من مصادر متجددة، أو بإعادة تنظيم إدارة شبكات التوزيع، لا سيما أن هذه الطروحات تتباين في أهدافها وآليات تطبيقها، رغم تقاطعها تحت عناوين اللامركزية وإعادة هيكلة القطاع. مبنى مؤسسة كهرباء لبنان. (الوكالة الوطنية) بحسب مصادر الهيئة الناظمة للكهرباء، يتمثل أحد المسارات الأساسية في دراسة أعدت بالتعاون مع البنك الدولي، تناولت سياسة توزيع الكهرباء في لبنان، وقيّمت تجربة مقدمي خدمات التوزيع (DSP) التي انطلقت ضمن خطة الكهرباء لعام 2010، وشهدت طرح المناقصات عام 2012. في تلك التجربة، وزعت مناطق جغرافية على شركات تولت مهمات مرتبطة بالتوزيع والصيانة وتحصيل الفواتير. لكن النموذج واجه مشكلات تشغيلية وإدارية، إذ بقيت مؤسسة الكهرباء مسؤولة عن إصدار الفواتير، فيما تولى مقدمو الخدمات تحصيلها، من دون أن يمتلكوا الصلاحيات والاستقلالية الكافية لإدارة مختلف جوانب العمل. في المقابل، لا يكفي الربط بين الحديث عن البنك الدولي والقرض المرتقب، البالغ نحو 250 مليون دولار، للاستنتاج أن هذا التمويل يستهدف تقسيم مناطق التوزيع. فالمشاريع المرتبطة به تشمل إنشاء محطة للطاقة الشمسية في البقاع بقدرة 150 ميغاواط لمصلحة مؤسسة الكهرباء، وإعادة تأهيل شبكة الكهرباء ومركز التحكم الرئيسي المتضرر جراء انفجار مرفأ بيروت، وتركيب العدادات الذكية، وتأهيل منشآت وتوربينات مرتبطة بإنتاج الطاقة الكهرومائية في مؤسسة مياه الليطاني. لكن مصادر متابعة لمشروع البنك الدولي، تؤكد أنه يطرح بعد انتهاء عقود مقدمي الخدمات، اعتماد عقود مطورة مشابهة لنموذج كهرباء زحلة، الذي نجح في ضبط الجباية والحد من سرقة التيار والتعديات، بمعنى آخر، أن يكون هناك ما يسمى مشغلي خدمات التوزيع (Distribution Service Operators – DSO)، بحيث يكون دورهم أقرب إلى دور المشغلين منه إلى دور مقدمي الخدمات، مع صلاحيات إضافية، على أن يدفعوا ثمن الكهرباء التي يحصلون عليها من الدولة، ويحصّلوا قيمتها من المشتركين. تمييز بين التوزيع والإنتاج لامركزياً يطرح الخبير الاقتصادي باتريك مارديني احتمالين لتفسير الحديث عن تقسيم قطاع الكهرباء. الأول هو إعادة تنظيم مناطق التوزيع، مشيراً إلى أن "لبنان سبق أن قُسّم إلى 4 مناطق ضمن خطة طوارئ للكهرباء، شملت بيروت والبقاع والشمال والجنوب". ويرى أن "أي تقسيم جديد ينبغي أن يستند إلى معايير فنية واقتصادية، لا إلى الجغرافيا وحدها". أما الاحتمال الثاني، فيتصل باللامركزية في الإنتاج، وفق ما يقترحه البنك الدولي عبر مشاريع الطاقة الشمسية والرياح والأنظمة الهجينة، معتبرا أن تنظيم هذه المشاريع قد يخفف الاعتماد على المولدات وكلفة الوقود والتلوث. ويشير مارديني أيضاً إلى إمكان اعتماد نموذج كهرباء زحلة، الذي يجمع الإنتاج والتوزيع ضمن نطاق جغرافي محدد، ويتيح تقديم فاتورة موحدة. إلا أن الإفادة منه على المستوى الوطني تتطلب في رأيه دراسة اختلاف المناطق وحجم الشبكات وكلفة التشغيل". صورة لكابلات كهرباء لبنان. (رويترز) إصلاح التوزيع قبل توسيع النموذج يتطابق التصور الذي يطرحه البنك الدولي مع طرح الهيئة الناظمة، على أن تبقى شبكة التوزيع مملوكة لمؤسسة كهرباء لبنان، فيما تتولى شركات متخصصة تشغيلها وصيانتها بموجب عقود واضحة، وتقيم وفق مؤشرات أداء تشمل كفاءة التحصيل وجودة الخدمة ومستوى الأعطال. ويقتضي ذلك تحديد حجم مناطق التوزيع وعددها، بدلاً من تقسيمها اعتباطياً أو إنشاء وحدات صغيرة لا تحقق جدوى اقتصادية. ويتطلب الانتقال إلى نموذج متكامل لمشغلي شبكات التوزيع استكمال الإطار القانوني، بما يشمل المراسيم المتعلقة بفصل أنشطة الإنتاج والنقل والتوزيع وتحويل مؤسسة كهرباء لبنان إلى شركة، إلى جانب معالجة المسائل المرتبطة بحقوق العاملين. وتقدّر المعلومات الواردة في هذا السياق أن التنفيذ قد يحتاج إلى سنة على الأقل بعد استكمال المتطلبات اللازمة، وهو تقدير مشروط وليس موعداً رسمياً.