عشر سنوات مرّت على رحيل زها حديد، ولا تزال مبانيها تحمل روح المرأة التي تحدّت الخطوط المستقيمة والقواعد المألوفة. من بغداد إلى بيروت ولندن، صنعت المعمارية العراقية البريطانية مسيرة استثنائية، غيّرت بها مفهوم العمارة وفتحت أمام أجيال من النساء أبواباً ظلّت موصدة طويلاً. في الحادية عشرة من عمرها، كانت زها حديد ترسم تصاميم لأثاث غرفتها في بغداد. طفلة تجد متعتها في ابتكار الأشكال، وتكتشف مبكراً أنّ المساحات المحيطة بها قابلة للتغيير. لم تكن تعرف يومها أنّ هذا الفضول الصغير سيقودها إلى إعادة رسم ملامح مدن بأكملها، وأنّ اسمها سيصبح بعد عقود مرادفاً للجرأة في عالم الهندسة المعمارية. اليوم، 31 تشرين الأول/أكتوبر 2026، تحلّ الذكرى السادسة والسبعون لميلاد زها حديد، التي رحلت عام 2016 عن 65 عاماً، تاركةً خلفها مباني تبدو كأنها خرجت من المستقبل، ولوحات ومشاريع لم تفقد قدرتها على إثارة الدهشة. المعمارية العراقية البريطانية زها حديد، التي اشتهرت بلقب عُرفت بـ"ملكة المنحنيات"، وهو لقب ارتبط بخطوطها الانسيابية وتصاميمها المتحرّرة من الأشكال التقليدية. لكنّ مسيرتها بدأت قبل ظهور تلك المباني الشهيرة بسنوات طوال، حين كانت الرسوم والأفكار الجريئة تكفي لإثارة إعجاب النقّاد، فيما يتردّد أصحاب المشاريع في تنفيذها. وقد احتاجت إلى كثير من المثابرة كي تثبت أنّ ما ترسمه على الورق يمكن أن يجد مكانه في الواقع. وُلدت زها محمد حديد في بغداد عام 1950، لوالدها محمد حديد، السياسي والاقتصادي العراقي، ووالدتها وجيهة الصابونجي التي اهتمّت بالفنون. نشأت في بيئة منفتحة على المعرفة والثقافة والسفر، وفي مدينة كانت تشهد آنذاك تحوّلات عمرانية وفكرية مهمّة. وقد استذكرت في أحاديثها كيف كانت الرياضيات والرسم والموسيقى والقراءة جزءاً من حياتها اليومية، وكيف شجّعها والداها على الاكتشاف من دون الفصل بين العلم والإبداع. هذه العلاقة المبكرة مع الرياضيات سترافقها لاحقاً في العمارة، حيث وجدت في الأرقام والهندسة أدوات تمنح خيالها إمكانات جديدة. زها حديد في صورة من طفولتها، قبل سنوات من انطلاق مسيرتها في عالم الهندسة المعمارية. ومن بغداد انتقلت إلى بيروت، حيث درست الرياضيات في الجامعة الأميركية خلال العام الدراسي 1968-1969، قبل أن تتوجّه إلى لندن عام 1972 للالتحاق بمدرسة الجمعية المعمارية (Architectural Association)، إحدى أبرز المؤسسات المتخصّصة في تعليم العمارة. في لندن، بدأت ملامح مشروعها الفني تتّضح. تأثّرت بالحركات الفنية الطليعية، ولا سيما منها التجريد الروسي وأعمال كازيمير ماليفيتش، وراحت تبحث عن طرق مختلفة لفهم الفضاء، مستعينة بالرسم لتصوّر مبانٍ تتحدّى علاقات الكتلة والتوازن والحركة. حين قيل لزها حديد إنّ أفكارها مستحيلة لم يكن طريق زها حديد نحو الاعتراف العالمي سهلاً. بعد تخرّجها عام 1977، عملت مع المعماريين ريم كولهاس وإيليا زنغيليس، قبل أن تؤسّس مكتبها الخاص في لندن عام 1979. وسرعان ما لفتت تصاميمها الأنظار، لكنّ تحويلها إلى مبانٍ حقيقية ظلّ تحدّياً كبيراً. ففي عام 1983، فازت بمسابقة تصميم نادي "The Peak" في هونغ كونغ، بمشروع جريء أعاد تخيّل العلاقة بين المبنى والتضاريس المحيطة به. ورغم الفوز، لم يُنفّذ المشروع. وتكرّرت هذه التجربة مع مشاريع أخرى، حتى ارتبط اسمها لفترة بصورة المعمارية التي ترسم مباني يصعب تشييدها. ومع ذلك، واصلت التجريب. في تلك السنوات، كانت لوحاتها المعمارية تُعرض في المتاحف والمؤسسات الفنية بصفتها أعمالاً إبداعية قائمة في ذاتها، وهو ما منح تجربتها مكانة تتجاوز حدود المهنة. وفي عام 1993، أصبح مبنى محطة إطفاء "فيترا" في ألمانيا أحد أوائل مشاريعها المنفّذة، بخطوطه الحادّة وكتله الخرسانية التي توحي الحركة والتوتّر. كان المبنى إثباتاً عملياً لإمكان تحويل أفكارها إلى عمارة قائمة. ثم جاءت اللحظة التاريخية عام 2004، عندما أصبحت أول امرأة تنال جائزة "بريتزكر" للهندسة المعمارية، وهي من أرفع الجوائز في هذا المجال. لقد احتاجت إلى سنوات طوال كي تتجاوز الصورة التي رسمها الآخرون عنها، وتفرض لغتها الخاصة في عالم شديد التمسّك بتقاليده. مركز حيدر علييف في باكو، أحد أشهر تصاميم زها حديد، ويتميّز بانحناءاته البيضاء وخطوطه الانسيابية. (تصوير: إيوان بان / Hypebeast) مبانٍ تحمل توقيع زها حديد... حتى من دون اسمها ثمة شيء يجعل مباني زها حديد قابلة للتعرّف إليها من النظرة الأولى. في مركز حيدر علييف في باكو، تبدو الأسطح البيضاء كأنها ترتفع من الأرض وتنساب فوقها. وفي متحف "MAXXI" للفن المعاصر في روما، تتشابك الممرّات والمساحات لتمنح الزائر تجربة متحرّكة داخل المبنى. أما دار أوبرا غوانغجو في الصين، فتستحضر في تكوينها صخوراً صقلتها الطبيعة، فيما يتخذ جسر