تواجه الدولة اللبنانية معضلة معقدة في مرحلة ما بعد الحرب مع إسرائيل، إذ يتعين عليها إعادة بناء المناطق التي دمرها القتال، في وقت يسعى فيه حزب الله إلى الحفاظ على نفوذه السياسي والاجتماعي، رغم تراجع قدرته المالية على تمويل أنصاره وتعويض المتضررين. ووفقًا لمجلة "ذا ناشيونال إنترست (The National Interest)، قد يجد الحزب في إعادة الإعمار الممولة حكوميًا فرصة لاستعادة جزء من مكانته، من خلال الضغط على بيروت لتوفير الأموال، ثم تقديم هذه الجهود باعتبارها إنجازًا سياسيًا له ولحليفته حركة أمل. ويشير تقرير المجلة إلى أن الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم كرر التأكيد أن إعادة بناء ما دمرته إسرائيل تقع على عاتق الدولة اللبنانية، متعهدًا بالضغط على الحكومة للوفاء بهذا الالتزام، ويطرح التقرير تساؤلًا بشأن قدرة بيروت على إعادة الإعمار دون أن تتحول الجماعات الطائفية إلى وسيط بين الدولة والمواطنين، بما يسمح لها بتحويل الإنفاق العام إلى مصدر جديد للنفوذ. حزب الله يضغط على بيروت مع تراجع قدرته على التعويض في 13 أكتوبر، أعلن حزب الله مرحلة جديدة من برنامج "الوعد والالتزام"، الذي يقدم مساعدات للعائلات النازحة تصل إلى 14 ألف دولار على مدار العام التالي، وفي اليوم نفسه التقى رئيس الوزراء نواف سلام نوابًا من حزب الله وحركة أمل لمناقشة مشاريع إعادة الإعمار الحكومية، بما فيها عقود بنية تحتية مدعومة من البنك الدولي تبلغ قيمتها نحو 70 مليون دولار، ومن المتوقع منحها قبل نهاية العام. ويرى التقرير أن نجاح الحكومة في تنفيذ هذه المشاريع قد يمنح حزب الله فرصة للقول إن ضغوطه أسهمت في تأمين إعادة الإعمار، بما يسمح له بالحفاظ على موارده المتراجعة واستعادة جانب من مكانته السياسية التي خسرها خلال الحرب. ويعزو التقرير تراجع قدرة الحزب على الوفاء بالتزاماته إلى تداعيات قراره دخول الحرب ضد إسرائيل في أكتوبر 2023، ثم استئناف القتال في مارس 2026، وما ترتب على ذلك من دمار واسع في المجتمعات ذات الأغلبية الشيعية التي تشكل قاعدة دعمه الشعبي والسياسي والعسكري، كما أثرت الحرب في موارده المالية، وتعطلت خطوط إمداده عبر سوريا بعد سقوط بشار الأسد، فيما انعكست مشكلات إيران نفسها على قدرتها على تمويل الحزب. وكان حزب الله قد واجه صعوبات في دفع التعويضات التي وعد بها عقب وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024، ويشير التقرير إلى أن عجزه عن تلبية احتياجات أنصاره يهدد مصداقية مؤسساته الاجتماعية، التي تمثل ركيزة أساسية لنفوذه، وأظهر استطلاع أجرته هيئة الإحصاء اللبنانية ونُشر في 9 أكتوبر أن 52% من المستطلعة آراؤهم من الشيعة أعربوا عن ثقة ضئيلة أو معدومة في تلك المؤسسات. "الوعد والالتزام".. نقل مسؤولية إعادة الإعمار إلى الدولة بدأ نعيم قاسم، بحسب التقرير، تمهيد الطريق أمام حزب الله للاستفادة سياسيًا من إعادة الإعمار الممولة حكوميًا بعد وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024، ففي ديسمبر من العام نفسه، أطلق مبادرة "الوعد والالتزام" لتقديم مساعدات مؤقتة، بينما ترك مهمة إعادة الإعمار، التي تتطلب تمويلًا أكبر بكثير للدولة اللبنانية. لاحقًا، أوضح قاسم أن التزام الحزب بإعادة الإعمار يتضمن الضغط على بيروت لتنفيذها، بما يتيح له تحميل الحكومة المسؤولية إذا لم تصل المساعدات إلى المتضررين. وفي أبريل 2025، اتهم قاسم الحكومة بتأخير إعادة الإعمار، وقارن بين ما وصفه بجهود حزب الله "غير المسبوقة عالميًا" لتخفيف الأعباء عن الدولة، وبين ما اعتبره إفقارًا متعمدًا للشيعة واستهدافًا لهم على أساس طائفي، وفي إعلان 13 أكتوبر، اتهم رئيس المجلس التنفيذي للحزب علي داموش الحكومة بإهمال العائلات النازحة، ورفض اعتبار إزالة الأنقاض ومشاريع البنية التحتية بديلًا عن التعويض المباشر. كما زعم الحزب أن ضغوطه حققت نتائج، ففي ديسمبر 2025، قال النائب حسن فضل الله إنه وزميله أمين شري نجحا في الضغط على رئيس الحكومة نواف سلام لتمويل الإصلاحات الإنشائية للمباني المتضررة في بيروت والضواحي الجنوبية، عبر الهيئة العليا للإغاثة، وهي الجهة الحكومية المعنية بالكوارث. حركة أمل شريك في إدارة ملف إعادة الإعمار يشير التقرير إلى أن حزب الله يمتلك سابقة في الاستفادة سياسيًا من إعادة الإعمار التي تمولها الدولة، فبعد حرب 2006 قدمت حكومة فؤاد السنيورة تعويضات تصل إلى 53 ألف دولار للعائلات التي دُمرت منازلها في الضواحي الجنوبية لبيروت، وعهد معظم المستفيدين بهذه الأموال إلى منظمة "الوعد"، التابعة لحزب الله، التي أدارت التمويل وأشرفت على إعادة البناء، لتصبح واجهة علنية للحزب. أما في المرحلة الحالية، فتتولى جهات حكومية من بينها مجلس الجنوب ومجلس حقوق الإنسان، إدارة التعويضات وفق إطار إعادة الإعمار الذي وضعته الحكومة في يناير 2026، ويُطلب من المتقدمين عادةً