يعود المخرج البولندي بافليكوفسكي إلى أوروبا الممزقة بعد الحرب العالمية الثانية، ليتمم ثلاثيته التاريخية بفيلم "الوطن" (2026). بعد "إيدا" (2013) الذي تدور أحداثه في بولندا، و"حرب باردة"(2018) الذي تتنقل شخصياته بين بولندا وفرنسا وأماكن أخرى، يتتبع الفيلم الأخير عودة الكاتب الألماني الحائز جائزة نوبل، توماس مان، برفقة ابنته إريكا، إلى ألمانيا المقسمة في صيف 1949. بعد 16 عاماً في المنفى الاختياري في الولايات المتحدة، وبعدما جرّده الرايخ من جنسيته الألمانية وجردته جامعة بون من درجة الدكتوراه، يعود مان إلى مدينة فرانكفورت الخاضعة لسيطرة الحلفاء، مثل مسيح أدبي يدخل أورشليم، وذلك لتسلّم التكريم الأهم في الأدب الألماني، جائزة "غوته"، وبعدها يعبر إلى الجهة الأخرى ليتلقى تكريماً ثانياً، في مدينة "فايمار" الخاضعة للسوفيات. وفي الجانبين، تحاول السلطات تحويل الرصيد الأخلاقي للكاتب الكبير الذي ندد بالنازية في عنفوانها، إلى رأسمال سياسي يمكن توظيفه في الحرب الأيديولوجية الدائرة بين المعسكرين. بالنسبة للأميركيين، يحمل مان الجنسية الأميركية ويعيش في الولايات المتحدة التي منحته ملجأ، ويرافقه عميل للسي آي إيه أثناء جولته لضمان سلامته ضد التهديدات بالقتل التي تصله عبر البريد ممهورة باتهامات بخيانة الوطن. في فايمار، يتودد المسؤول السوفياتي عن البروباغندا إلى مان ويعرض عليه منصباً شرفياً كبيراً في اليوتوبيا الوليدة في ألمانيا الشرقية، فيعتذر مان بلطف ويقترح منح المنصب لأخيه الأقل شهرة. لا مفاضلة في ثنائية الشرق والغرب. أثناء الرحلة يشغّل مان راديو السيارة، فتصدح الاذاعة بموسيقى أميركية تجارية مبتذلة، وبعدها يدير المذياع إلى محطة أخرى فتخرج الأناشيد السوفياتية بإيقاع شبه عسكري، وينتهي الأمر بإغلاقه المذياع. في واحدة من حفلات الاستقبال الكثيرة، تصفع الإبنة إريكا زوجها السابق، الممثل الذي كان مقرباً من النازيين ومازال يتمتع بالشهرة بعد الحرب، وحين يطلب حفيدا فاغنر من مان التوسط لهما لدى وزارة الثقافة، يرد عليهما متهكماً بأن والدتهما تستحق أن تكون في السجن. كانت الأم أيضاً مقربة من النازيين. في الجهة الأخرى، يقتحم رجل، غرفة مان في الفندق، ليخبره بأن هناك معسكراً للاعتقال على مقربة، مكتظاً بالمعارضين للنظام الجديد في الشرق. ويطلب منه أن يذكر الأمر في خطبته، وفي الحال يلقى القبض على الرجل ويتم اقتياده بعيداً، من دون اعتراض من الكاتب الكبير. مان الذي تم تتويجه ضميراً لألمانيا، باتفاق بين الخصوم، يفشل في كل اختبار أخلاقي يواجهه أثناء الرحلة. ينغمس الرجل المسن الذي تبدو عليه علامات الإجهاد، في ذاته بالكامل، وفي الحفاظ على مرتبته الأخلاقية العليا، وفي ذلك يقوده هوس بالطريقة التي ستدوّن بها سيرته في التاريخ، أو كما تتهمه ابنته بأنه يسير وراء وهم استِطاعته إنقاذ ألمانيا الطيبة عبر إلقاء الخطب المرصعة بالاقتباسات الأدبية. ووسط الاحتفاء الزائف في جانبي البلد المنقسم، وجماليات شاشة الأبيض والأسود المتقشفة والجافة، يتبين عجز الكلمات الكبرى، واستحالة أن يكون المرء أخلاقياً بمفرده. في الخلفية، تدور المأساة العائلية المتمثلة في انتحار الإبن، كلاوس مان، الذي فقد الإيمان بكل الأيديولوجيات. ويؤجل الأب انضمامه إلى العائلة للحاق بالجنازة، حتى ينتهي من جولته. يبدو مان المنفصل شعورياً عن كل ما يحدث حوله، في سبيل مهمته الكبرى، مثل فاوست بطل مسرحية كاتبه المفضل، أو بالأحرى مثل بطل روايته هو، "دكتور فاوستوس"، الرجل الذي باع حياته للشيطان مقابل العبقرية، أو المهمة العظيمة للفن. بين أفلام الثلاثية التاريخية، يعد فيلم "الوطن" أكثرها آنية وارتباطاً بالحاضر. ذلك الخواء الأخلاقي الذي ورثناه من زمن ما بعد الحرب، ما زال مُخيِّماً.