في مكتبه في وزارة المال، عقد الوزير ياسين جابر لقاءً مطولاً مع مجموعة مع الصحافيين الاقتصاديين، لعرض واقع البلاد المالي والاقتصادي، والسياسات العامّة المتبعة للتعامل مع هذا الواقع. وفي الجلسة، دار الحديث حول ثلاثة محاور: قراءة الوزير للظروف الاقتصادية والمالية وتداعيات أزمة الطاقة وحرب الخليج على لبنان، ثم ملامح موازنة 2027 وكيفية تمويل نفقاتها، وفي مقدّمها الرواتب، وأخيراً مشاريع الاستثمار الممولة من البنك الدولي وفرص الربط الإقليمي التي يراها مدخلاً إلى نمو جديد. بدأ جابر مطالعته بالحديث عن البيئة الاقتصاديّة التي تحكم الواقع اللبناني، مشيراً إلى أنّ الأزمة لم محصورة في لبنان. فدول المنطقة التي كانت تعيش البحبوحة باتت تتجه نحو الانكماش، وأبرز المراكز الماليّة الإقليميّة صارت معرّضة للأزمات. ويعيد التذكير بأزمة ارتفاع أسعار النفط العالميّة، التي لا تؤثّر فقط على المحروقات، بل على جميع عناصر سلاسل الإمداد. وعلى مستوى المخاطر الجيوسياسيّة، فأثر إقفال مضيق هرمز يتجاوز وقف تصدير النفط، ليطال أيضاً توقّف دخول السلع المستوردة إلى منطقة الخليج. ويشير جابر إلى أنّ أزمة الطاقة بالتحديد كانت تراكميّة، إذ بدأت منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022، قبل أن تتفاقم مع حرب الخليج. وجاءت أقسى التداعيات، بالنسبة للبنان، عبر ارتفاع سعر طن الديزل -منذ بدء هذه الأزمة- من 650 دولاراً أميركياً إلى 1500 دولار أميركي، نظراً إلى اعتماد البلاد الكبير على هذه المادة. في النتيجة، تقاطعت هذه الظروف الخارجيّة مع الحرب التي عاشتها البلاد خلال الربع الأوّل من العام الحالي. ففي مطلع العام، كان من المتوقّع أن يشهد لبنان نسبة نمو تقارب 4 بالمئة، فيما انتهينا اليوم بتقديرات تشير إلى انكماش متوقّع بنسبة 6.5 بالمئة، مع احتمال ارتفاع هذه النسبة في حال شهدنا تصعيداً إضافياً على المستوى المحلّي. وبذلك، بات لبنان يعيش صدمة مزدوجة، تجمع ما بين الضغوط الانكماشيّة ومعدّلات التضخّم المرتفعة. وفي حديثه، عرض جابر ما تم تحقيقه محلياً في ظل هذه الظروف الضاغطة، حيث تمّت المحافظة على الاستقرار النقدي والمالي في الوقت نفسه، مع عدم تسجيل عجوزات في الموازنة، أو خضّات على مستوى سعر صرف الليرة اللبنانيّة. واعتبر أن الدولة اللبنانيّة تمكنت خلال هذه السنة من تأمين الخدمات الأساسيّة، مع التذكير بأنّ الخزينة شاركت -للمرّة الأولى- بتمويل برنامج أمان خلال العام 2026، فيما يُتوقّع أن يتم رفع هذه المساهمة خلال العام المقبل. وأعاد جابر التشديد على أولويّة الحفاظ على سعر صرف الليرة، نظراً لاعتماد الخزينة على العملة المحليّة لتحصيل الإيرادات، والاحتفاظ بالاحتياطات. وهذا ما يفرض إدارة رصينة للسيولة بالتعاون مع المصرف المركزي. بالنسبة لموازنة العام المقبل، أشار جابر إلى مشروع قانون الموازنة رفع حجم النفقات بقيمة مليار دولار، مقارنة بموازنة العام الحالي. ومعظم هذه الزيادة هي كناية عن رواتب إضافيّة للعاملين في القطاع العام. فخلال العام 2026، تم إعطاء العاملين في القطاع العام 6 رواتب إضافيّة، تم دفعها بمفعول رجعي لغاية بداية شهر آذار الماضي. وخلال العام المقبل، من المرتقب أن يمنح هؤلاء 6 رواتب إضافيّة، ما يجعل المجموع 12 راتباً إضافياً حتّى نهاية العام المقبل. ولتمويل هذه النفقات المستجدة، نفى جابر أن تكون الموازنة قد تضمّنت ضرائب أو رسوماً جديدة، بل شملت حصراً تصحيح بعض الرسوم القائمة أساساً، والتي خسرت قيمتها بفعل تدهور سعر صرف الليرة اللبنانيّة، كرسوم مخالفات السير مثلاً. وفي حديثه، تطرّق جابر إلى النقاش حول إعادة هيكلة القطاع العام، وعلاقة هذا المسار بزيادات الرواتب التي يتم إقرارها. فذكّر جابر بأن المستفيدين من رواتب القطاع العام لا يقتصرون على العاملين في الإدارات الرسميّة، بل يشملون كذلك 120 ألف شخص من العاملين في الأسلاك العسكريّة والأمنيّة، و80 ألف متقاعد من هذه الأسلاك، بالإضافة إلى 50 ألف متقاعد مدني و50 ألف أستاذ في التعليم الرسمي، ما يعني أن هناك 300 ألف مستفيد لا يمكن "إعادة هيكلتهم". الاستثمار ومشاريع البنك الدولي يعترف جابر أن حصّة الاستثمار في مشروع الموازنة لا تتجاوز 11 بالمئة، بالنظر إلى محدوديّة الموارد. ومعظم هذه المبالغ عبارة عن اعتمادات مخصّصة لوزارتي الأشغال والطاقة. وللتعويض هذا النقص، يشير جابر إلى اعتماد الدولة على قروض ميسّرة وطويلة الأجل من البنك الدولي، لتأمين الحاجات الاستثماريّة. وعرض جابر جردة لهذه القروض، التي دخلت حيّزت التنفيذ بالفعل، ومنها مشروع GATE، المخصّص للقطاع الزراعي بالتحديد، والذي تبلغ قيمته 200 مليون دولار أميركي، منها 50 مليون دولار أميركي للقروض الزراعيّة التي سيتم توفيرها عبر مؤسّسة كفالات. كما تشمل قرضاً بقيمة 257 مليون دولار أميركي، لتمو