حين يتلقى طفل لقاحه مجاناً في مركز صحي، تكون جهات أخرى قد دفعت ثمن الجرعة ونقلها وتخزينها، ووفرت العاملين والمستلزمات اللازمة لإعطائها. وخلف هذه الدقائق القليلة، تعمل سلسلة اقتصادية تبدأ بالبحث والتصنيع، وتمر بالعقود والشحن والتبريد، وتنتهي بحماية يُفترَض أن تقلل المرض وتكلفة علاجه. وتواجه الدول العربية سؤالين متلازمين: كيف تؤمّن اللقاحات بأسعار وشروط مناسبة؟ وكيف تحافظ على الإقبال عليها؟ الجرعة التي تتعطل في الطريق لا تحقق الحماية، وكذلك الجرعة التي تصل ثم تبقى غير مستخدمة بسبب الخوف أو المعلومات المضللة. من أين تستورد الدول العربية لقاحاتها؟ لا تأتي اللقاحات كلها من المصدر نفسه. تختلف الشركات والمصانع بحسب المرض والتقنية والعقود، كما تختلف لقاحات الأطفال الروتينية عن لقاحات الإنفلونزا أو السفر. يكشف تقرير لمنظمة الصحة العالمية عن سوق اللقاحات، مستند إلى بيانات عام 2024، أن دول شرق المتوسط تشتري أكثر من 95% من لقاحاتها من مصنعين خارج الإقليم. وهذه نسبة تخص التقسيم الصحي للمنظمة، وليست قياساً مستقلاً للدول العربية، فالإقليم يشمل دولاً غير عربية، بينما تقع دول عربية أخرى من ضمن الإقليم الأفريقي. وتوضح بيانات التجارة بعض ملامح شبكة التوريد. مثلاً، بلغت واردات السعودية المسجلة تحت بند اللقاحات البشرية نحو 499.5 مليون دولار في عام 2024، وشملت شركاء تجاريين مثل الأردن وبلجيكا والولايات المتحدة وأيرلندا وفرنسا. وبلغت الواردات المصرية نحو 104.5 ملايين دولار، والمغربية 42.6 مليون دولار، مع حضور فرنسا وبلجيكا والهند والصين من ضمن موردي السوقين. لكن هذه القيم ليست ميزانيات التطعيم، ولا تقيس عدد الأطفال المحميين. كذلك، لا يثبت اسم الشريك التجاري وحده مكان التصنيع أو جنسية الشركة المالكة للمنتج؛ قد تمر الشحنة عبر مركز توزيع أو إعادة تصدير. تكلفة اللقاحات... لماذا لا يكفي النظر إلى سعر الجرعة؟ تشتري الحكومات اللقاحات مباشرة أو عبر مناقصات وجهات شراء مركزية، فيما تنفذ منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف" مشتريات لحساب دول، بتمويل من الحكومات والمانحين. وتستفيد الدول المؤهلة أيضاً من دعم التحالف العالمي للقاحات والتحصين (غافي). وتمنح العقود المجمّعة والمتعددة السنوات المشترين قدرة تفاوضية، لكنها لا تجعل الأسعار موحدة. وتنشر "اليونيسف" بياناتها بحسب المنتج والمورد والسنة، بما يسمح بمقارنة عروض محددة وفق شروطها. على سبيل المثال، تعرض بيانات المنظمة لعام 2026 أسعاراً للجرعة من اللقاح الخماسي السائل في عبوات متعددة الجرعات عند 0.78 دولار من "إل جي كيم"، و0.80 دولار من معهد المصل الهندي. وهذه أسعار تعاقدية لمنتجات محددة، وليست تسعيرة موحدة للعيادات أو للدول كلها. ويحمي اللقاح الخماسي من الدفتيريا والكزاز والسعال الديكي والتهاب الكبد "ب" والمستدمية النزلية من النوع "ب". أما التكلفة الكاملة، فقد تشمل النقل والتأمين والتبريد والتخزين والمحاقن وأجور العاملين والوصول إلى المناطق البعيدة والتخلص الآمن من المستلزمات. ويُضَاف إليها ما قد يُهدَر من جرعات بسبب انتهاء الصلاحية أو سوء التخزين. التكلفة الكاملة قد تشمل النقل والتأمين والتبريد والتخزين والمحاقن وأجور العاملين والوصول إلى المناطق البعيدة والتخلص الآمن من المستلزمات لذلك، قد لا تكون الجرعة الأرخص هي الخيار الأقل تكلفة إذا ارتفعت خسائرها أو صَعُب استخدامها. والمقارنة المفيدة تتناول ما يلزم لتوفير الحماية فعلياً، لا ثمن العبوة وحده. تصنيع اللقاحات عربياً... بين التعبئة وامتلاك التقنية تتوسع مبادرات التصنيع ونقل التكنولوجيا، لكن كلمة "تصنيع" تغطي مراحل مختلفة: إنتاج المادة الفاعلة، وإعداد المستحضر، والتعبئة والتغليف، وصولاً إلى امتلاك التقنية وتطوير المنتج. في دولة الإمارات، أُعلِن في آذار/مارس 2021 بدء تصنيع لقاح "حياة فاكس" ضد كوفيد، عبر شراكة بين "جي 42" الإماراتية و"سينوفارم" الصينية، وبالتعاون مع "جلفار". وطورت "حياة للتكنولوجيا الحيوية" مجمعاً لعلوم الحياة في منطقة خليفة الاقتصادية بأبوظبي (كيزاد)، مخصصاً للبحث والتطوير وتصنيع المستحضرات الحيوية وتعبئتها، بهدف استقطاب شراكات وعقود تصنيع ونقل المعرفة. وفي السعودية، أعلنت "لايفيرا"، التابعة لصندوق الاستثمارات العامة، شراكات ومذكرات تفاهم مع شركات منها "فايزر" و"سانوفي" و"إم إس دي"، تستهدف التوطين ونقل المعرفة. وتوضح الشركة أنها تطور قدرات لتحضير المستحضرات وتعبئتها وتغليفها. وفي المغرب، أعلنت "ماربيو" و"سانوفي" في نيسان/أبريل 2026 شراكة لتصنيع لقاحات وتوفيرها محلياً، فيما تعرض "ماربيو" منتجات مرخصة وقدرات تشمل التحضير والتعبئة والتغليف. وتشارك "بيوجينيريك فارما" المصرية ومعهد باستور في تونس في برنامج منظمة الصحة العالمية لنقل ت