لم يحم وجود القوات الأممية في جنوب لبنان سكانه من حروب متكررة جرت منذ ذاك الوقت، من اجتياح عام 1982 ووصول الجيش الإسرائيلي إلى العاصمة بيروت، إلى حروب أعوام 1993 و1996 و2006 و2024 وأخيراً حرب عام 2026 التي لم تزل مفتوحة على ألف احتمال واحتمال. إلى جنوب لبنان، وصلت طلائع "اليونيفيل" العاملة في إطار قوات الأمم المتحدة الموقتة في لبنان لحفظ الأمن والسلام بتاريخ الـ23 من مارس (آذار) عام 1978، في أعقاب "عملية الليطاني" التي نفذت خلالها إسرائيل اجتياحاً لمعظم مناطق جنوب لبنان الواقعة جنوب نهر الليطاني للقضاء على المنظمات والقوى الفلسطينية واللبنانية التي كانت تنتشر في المنطقة وإبعادها من الحدود، تنفيذاً لبنود القرار الأممي 425 وملحقه القرار 426 الصادرين في الـ19 من مارس عام 1978، اللذين يدعوان "إسرائيل إلى وقف عملياتها العسكرية ضد سلامة الأراضي اللبنانية وسحب قواتها فوراً من الأراضي اللبنانية حتى الحدود الدولية المعترف بها"، وكذلك إلى إنشاء فوري لقوة موقتة تابعة للأمم المتحدة في لبنان (اليونيفيل) تحت سلطة مجلس الأمن، وتحديد ولايتها للتأكد من انسحاب القوات الإسرائيلية، وإعادة السلام والأمن الدوليين إلى المنطقة، ومساعدة الحكومة اللبنانية على استعادة سلطتها الفعالة. بقيت هذه القوات مدة 22 عاماً يجدد لها مجلس الأمن ولايتها عاماً تلو عام قبل انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان في الـ25 من مايو (أيار) عام 2000، وبقاء الباب مفتوحاً على الصراع بين لبنان وإسرائيل التي ما زالت تحتفظ بأجزاء حدودية من لبنان تحت عناوين شتى مدد ولاية "اليونيفيل" إلى العام الحالي 2026. لم يحم وجود القوات الأممية في جنوب لبنان سكانه من حروب متكررة جرت منذ ذاك الوقت، من اجتياح عام 1982 ووصول الجيش الإسرائيلي إلى العاصمة بيروت، إلى حروب أعوام 1993 و1996 و2006 و2024 وأخيراً حرب عام 2026 التي لم تزل مفتوحة على ألف احتمال واحتمال، وعلى رغم ذلك يغادر عناصر القبعات الزرق جنوب لبنان بعد 48 عاماً متواصلة لهم، بدءاً من مطلع عام 2027 تنفيذاً للقرار الأممي رقم 2790 الذي اعتمده مجلس الأمن الدولي بالإجماع في الـ28 من أغسطس (آب) العام الماضي، والذي ينهي ولايتهم في لبنان في الـ31 من ديسمبر (كانون الأول) المقبل. ربما لم يستطع جنود الأمم المتحدة وكتائبهم المشاركة من دول كثيرة منع الحروب عن سكان الجنوب، لكنهم أثبتوا دورهم في الحد الأدنى بكثير من المحطات الساخنة، في المراقبة الأمنية والتدخل لمنع الاشتباك أو فضه، ففلحوا مرات وأخفقوا مرات ومرات. لكن وجود هذه القوات الأممية في جنوب لبنان طوال هذه الأعوام، منح سكانه أبعاداً أخرى كانت الدولة اللبنانية غائبة عنها أو عاجزة عن تلبيتها، لجهة الإنماء وتقديم الخدمات والمشاريع المتنوعة ومساعدة المجتمعات المحلية في الصحة والغذاء والتعافي من الحروب المتكررة وفي إعادة البناء، إلى خدمات في البنى التحتية والطاقة من كهرباء وماء وطرقات وإنارة ومشاريع تنموية وحيوية، وفي تعزيز التعليم والمدارس وفي الزراعة وملحقاتها، إلى نزع الألغام والذخائر غير المنفجرة والتثقيف حول الوقاية منها، وأنفقوا في عمليات التدخل الإنساني ملايين الدولارات التي استفاد من مفاعيلها نحو مليون فرد من سكان الجنوب. ويذكر أن وجود هذه القوات على أرض الجنوب عزز اقتصاد أهلها التجاري إلى أبعد الحدود، لا سيما في القرى والبلدات المجاورة لانتشار الكتائب المختلفة ومراكزها، وفي منطقة الساحل بين مدينة صور والناقورة وفي منطقة مرجعيون، وتحديداً في إبل السقي الواقعة بين مرجعيون وحاصبيا وسوقها الشهيرة "سوق الخان"، فنشأت عشرات المؤسسات التجارية الضخمة والمطاعم والاستراحات والأسواق الثابتة أو المتنقلة التي كانت تتيح للجنوبيين الدخول إلى مجمعات الجنود والكتائب وعرض بضائعهم بعدما باتت تستورد من دول عالمية ومن الصين لتلبية حاجات الجنود ومشترياتهم إلى جانب التذكارات السياحية والمشروبات الروحية. غطت عمليات قوات "اليونيفيل" في جنوب لبنان مساحة تقدر بنحو 1060 كيلومتراً مربعاً تقع بين شمال نهر الليطاني و"الخط الأزرق" بمحاذاة الحدود جنوباً، ما يصل إلى أكثر من 100 بلدة وقرية جنوبية، شاركت في الجوانب الأمنية ومراقبة الحدود طوال 48 عاماً متواصلة نحو 50 دولة أممية، وبلغ أخيراً عدد الدول المشاركة في "اليونيفيل" نحو 46 دولة قوامها نحو 7565 جندياً من أصحاب "القبعات الزرق"، وفقاً لإحصاء سبتمبر (أيلول) الماضي. إذاً، تنوعت خدمات كتائب "اليونيفيل" لهذه القرى والبلدات لا سيما في ما خص مشاريع إنمائية على نحو تنفيذ مئات المشاريع الصغيرة أو المتوسطة للمجتمعات المحلية من نوع "مشاريع الأثر السريع"، واشتملت على تأمين مولدات كهربائية ووقود لمحطات ضخ المياه ودعم المدارس والتعاونيات الزراعية، إلى خدمات طبية على نحو تسيير عيادات متنق