لطالما ارتبط مفهوم السهل الممتنع بالأعمال الفنية التي تجمع بين بساطة التعبير وعمق المعنى، وتصل إلى الجمهور من دون تعقيد في الكلمات أو الألحان. لكن استخدام هذا الوصف في الأغنية العربية مؤخراً بات موضع نقاش بين فنانين وشعراء وملحنين، في ظل انتشار أعمال تعتمد على العبارات اليومية والألحان البسيطة، وتحقق رواجاً واسعاً عبر المنصات الرقمية. ويطرح النقاش تساؤلات بشأن المعايير التي تميز الأغنية البسيطة عن تلك التي تفتقر إلى القيمة الفنية، ومدى تأثير التحولات في صناعة الموسيقى وذائقة الجمهور في خيارات الفنانين. وفي مقابلات مع "المدن"، تباينت آراء عدد من العاملين في الوسط الفني اللبناني بشأن مستوى الأغنية الراهنة، وحدود مفهوم "السهل الممتنع"، ومسؤولية الفنانين وصناع الموسيقى عن الأعمال التي يقدمونها. واستهل النجم عاصي الحلاني حديثه مع "المدن" بالتمييز بين الأغنية التي ينطبق عليها مفهوم السهل الممتنع والأغنية الركيكة التي تفتقر إلى المعنى والمضمون. وأوضح أن الأولى تتميز ببساطة كلماتها وألحانها وسهولة حفظها، من دون أن يعني ذلك افتقارها إلى القيمة الفنية، مستشهداً بأغنيات فيروز التي استمدت كلماتها من حياة الناس وعبّرت عنهم بلغة قريبة منهم. وأضاف الحلاني: "هي أغنية لا تتسم بالتعقيد في كلماتها أو جملها اللحنية، وتصل إلى الناس بسهولة، كما أعمال ملحم بركات وأعمالي وأعمال عبد الحليم حافظ. الأغنية السهلة لا تفتقر إلى الكلام الجيد أو اللحن والتوزيع، بل تملك القدرة على مخاطبة الجمهور من دون تعقيد شعري أو موسيقي". ورفض الحلاني اعتبار الأغنية اللبنانية في حالة تراجع شامل، مشيراً إلى أن عدداً كبيراً من الفنانين مازال يقدم أعمالاً تحافظ على مستواها، وأن الأغنية اللبنانية مازالت حاضرة في لبنان والعالم العربي. واعتبر أغنيته الأخيرة "سلّم على الكل"، التي لحنها بنفسه وكتب كلماتها نزار فرنسيس ووزعها طوني سابا، نموذجاً للأغنية الشعبية التي تجمع بساطة الكلمات وجودة اللحن والتوزيع والأداء. واستعاد الحلاني في هذا السياق تجارب ملحم بركات وفيروز وصباح ووديع الصافي، الذين قدموا أعمالاً قريبة من الجمهور من دون التخلي عن عناصرها الفنية. كما استدل على استمرار حضور الفنان اللبناني بمشاركته في الحفلات والمهرجانات على المسارح العربية والعالمية، مفضلاً عدم تعداد الأسماء كي لا يغفل أحداً. أما الشاعر نزار فرنسيس، فرفض إطلاق وصف السهل الممتنع على الأغنيات التي تكتفي بكلام يومي عادي، مؤكداً لـ"المدن" أن "ما يمكن لأي شخص كتابته من دون جهد شعري لا يعد ممتنعاً، بل هو كلام سهل لا يحمل قيمة فنية". وأرجع فرنسيس انتشار هذا النوع من الأعمال إلى تغير المفاهيم التي تحكم صناعة الفن، مشيراً إلى أن الساحة الغنائية شهدت على الدوام دخول أشخاص يفتقرون، برأيه، إلى الموهبة في الغناء والكتابة والتلحين. واعتبر أن الزمن كفيل بفرز الأعمال، وأن ما يبقى في ذاكرة الجمهور هو ما يمتلك قيمة فنية قادرة على الاستمرار. وتطرق فرنسيس إلى انتشار الأغنيات المرتبطة بالصيحات الرائجة على المنصات الرقمية، مستغرباً لجوء بعض النجوم أصحاب التجارب الطويلة إلى تقليد الأنماط التي تستقطب الأجيال الأصغر سناً. ورأى أنه يجب على الفنان الحفاظ على هويته وتقديم أعمال تنسجم مع تاريخه، بدلاً من السعي إلى انتشار مؤقت. وأضاف: "بعض الفنانين انجذب إلى هذه الموجة وجربها، ثم اكتشف أنها لا تناسبه لأن عمرها لا يتجاوز الشهرين"، داعياً هؤلاء إلى مراجعة خياراتهم والعودة إلى تقديم أغنيات قادرة على الاستمرار. وفي حديثه عن الأغنيات الجريئة التي تعتمد كلمات مباشرة أو عبارات يعتبرها البعض دون المستوى، رفض فرنسيس تحميل الفنان فارس كرم مسؤولية انتشار هذا اللون الغنائي. وأوضح أن أعمالاً مشابهة كانت موجودة منذ ستينيات القرن الماضي، بالتزامن مع تجارب أم كلثوم ووديع الصافي وعبد الحليم حافظ وفيروز، لكنها لم تحظ بالبث الإذاعي بسبب الرقابة، وكانت تباع على العربات المتنقلة. وأشار فرنسيس إلى أن بعض تلك الأغنيات حقق مبيعات كبيرة حينها، لكنه لم يحتفظ بحضوره في الذاكرة الفنية، مستشهداً بالمغنية مها عبد الوهاب التي قال أن مبيعات أعمالها كانت تتجاوز أحياناً مبيعات كبار المطربين، من دون أن تحظى أغنياتها لاحقاً بالمكانة نفسها. ووصف فرنسيس اللون الذي يقدمه فارس كرم بأنه "شبابي جريء"، مقارناً إياه بالمدرسة الغنائية التي مثلها فهد بلان قبل عقود، سواء من حيث الكلمات أو الألحان. وأشار إلى أن بلان استطاع بناء نجوميته وتكوين مساحة فنية خاصة به رغم وجود أسماء كبيرة في الساحة آنذاك. وأكد فرنسيس أن تنوع الألوان الغنائية أمر طبيعي، مشيراً إلى أنه لا يعارض حضور هيفا وهبي في الوسط الفني، باعتبار أن لكل فنان لوناً وجمهوراً. لكنه رأى أن المشكلة بدأت عندما حاولت فنا