لم يُحسم بعد طلب إحالة ملف متفجرات ضهر البيدر إلى المجلس العدلي، فيما خلا الادعاء المعلن حتى الآن من مواد الإرهاب. وبين هذين المسارين، برزت قراءة سياسية ترى في الصيغة القائمة محاولة لاحتواء التصعيد: تستمر الملاحقة أمام القضاء العسكري، ويبقى ردّ حزب الله مضبوطاً، فيما لا ينتقل الخلاف إلى الشارع أو إلى أزمة حكومية. وتحدثت تقارير عن اتصالات سياسية سبقت تأجيل البتّ بالإحالة بهدف تجنّب مواجهة داخلية، لكن لم يُعلن رسمياً عن اتفاق يتضمن مقايضة بين هذه العناوين. وتعود القضية إلى 5 تشرين الأول، حين أوقفت القوى الأمنية شاحنة محمّلة بمئات الكيلوغرامات من المتفجرات عند حاجز ضهر البيدر، أثناء انتقالها من البقاع باتجاه بيروت، وأوقفت هيثم أمهز وعلي الكردي اللذين كانا على متنها. وبعد أيام، أعلن النائب حسن فضل الله أن الشاحنة والمتفجرات تعودان إلى حزب الله، وأن وجهتهما كانت مواجهة القوات الإسرائيلية، فيما نفى الحزب أن تكون الشحنة معدّة لعمليات داخلية. وبعدما بقي طلب إحالة الملف إلى المجلس العدلي قيد البحث في مجلس الوزراء بانتظار استكمال التحقيقات، ادعى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية، القاضي كلود غانم، على 13 شخصاً بمواد تتصل بتأليف جمعيات غير مشروعة والنيل من سلطة الدولة وهيبتها، وتعريض لبنان لأعمال عدائية، وتأليف فصائل مسلحة أو تجهيزها، إضافة إلى حيازة الأسلحة والمتفجرات. ولم تتضمن المواد المعلنة أوصاف الإرهاب والفتنة والحرب الأهلية، ولا المادة الخاصة بحيازة المتفجرات بقصد ارتكاب جناية ضد الدولة. ولا ينحصر الخطر المحتمل في احتمال انفجار الشحنة أثناء نقلها أو تخزينها. فإذا ثبت أن وجهتها كانت إسرائيل، يبرز أيضاً احتمال تعريض لبنان لردّ عسكري وما قد يخلّفه من أضرار واسعة. وقد يُبحث هذا الجانب في ضوء المادة 288 من قانون العقوبات، إذا ثبت أن فعلاً غير مجاز من الحكومة عرّض لبنان لخطر أعمال عدائية أو اللبنانيين لأعمال ثأرية. لكن تقدير هذا الخطر لا يكفي وحده لإثبات جريمة الإرهاب. فالمادة 314 تربط العمل الإرهابي بقصد إيجاد حالة ذعر واستخدام وسائل من شأنها إحداث خطر عام. كما يجرّم قانون 11 كانون الثاني 1958 حيازة المتفجرات بقصد ارتكاب جناية ضد الدولة أو تسهيلها، ويعاقب على العمل الإرهابي بعقوبات مشددة. لذلك كان ممكناً بحث هذه المواد إذا أظهرت التحقيقات توافر عناصرها، لكن وجود المتفجرات وحده لا يحسم انطباقها. وتتحدث تقارير عن احتمال استخدام الشحنة في اغتيالات داخلية، في مقابل رواية حزب الله بأنها مخصصة لمواجهة إسرائيل. وهذه روايات لم يحسمها القضاء، فيما يبقى تحديد الغاية من الشحنة أساسياً في تقرير الوصف القانوني. وقد يغيّر إثبات أي من الوجهتين طبيعة التوصيف، لكنه لا يغني عن التحقق من الأدلة والقصد. سياسياً، يُقرأ غياب مواد الإرهاب عن الادعاء، إلى جانب تأجيل الإحالة إلى المجلس العدلي، باعتباره سقفاً أقل تصعيداً ساهم في احتواء ردّ الحزب ومنع نقل الخلاف إلى الشارع أو الحكومة. غير أن غياب هذه المواد لا يثبت وحده وجود تسوية، كما أن عدم إدراجها لا يمنع قانوناً إحالة الملف إلى المجلس العدلي بمرسوم من مجلس الوزراء. ويبقى السؤال مفتوحاً: هل جاء الوصف القانوني نتيجة تقدير للأدلة المتوافرة، أم تأثر بسعي سياسي إلى احتواء تداعيات القضية؟ الإجابة رهن بما ستكشفه التحقيقات عن الغاية من الشحنة والجهات التي قررت نقلها.