دخل ملف متفجرات «ضهر البيدر» مرحلة جديدة مع الادعاءات القضائية التي طاولت ثلاثة عشر شخصاً من "حزب الله"، في تطوّر أعاد رفع منسوب التوتر السياسي بعد أسبوع من التجاذب حول المطالبة بإحالة القضية إلى المجلس العدلي. وقد تصاعدت الضغوط على الحكومة في هذا الملف، خصوصاً مع تلويح "القوات اللبنانية" بمقاطعة كل جلسات مجلس الوزراء في حال عدم إحالته إلى المجلس العدلي، ما أضاف مزيداً من التعقيد إلى قضية باتت تتجاوز أبعادها القضائية، لتتحول إلى اختبار جديد للعلاقة بين الدولة و"الحزب"، في ظلّ انقسام داخلي حول كيفية التعامل مع السلاح وحدود سلطة الدولة وقراراتها. وفق مصادر سياسية مطلعة، فإن مقاربة الدولة لهذا الملف لا يمكن فصلها عن حجم الضغوط السياسية والدبلوماسية التي تتعرض لها، ولا سيما من الجانب الأميركي، إلى جانب الضغوط الداخلية التي تزيد من تعقيدات المشهد. وتؤكد المصادر أن الدولة تتمسك بمسؤولياتها الدستورية والوطنية، انطلاقاً من أن استعادة السيادة تقتضي حصر قرار السلم والحرب بمؤسساتها الشرعية، وألا يبقى أي قرار عسكري خارج سلطتها. ومن هذا المنطلق، فإن التعامل مع قضية المتفجرات يندرج، في إطار مسؤوليتها عن تطبيق القانون وحماية الأمن الداخلي، بما يحفظ هيبة المؤسسات وصدقية قراراتها. غير أن هذه المسؤوليات، وفق المصادر، تضع الحكومة أمام معادلة شديدة الحساسية، تجمع بين المضيّ في تثبيت سلطة الدولة والحفاظ على الاستقرار الداخلي، في مرحلة تتداخل فيها الضغوط الخارجية مع الانقسامات السياسية اللبنانية. من جهة أخرى، ترى مصادر قريبة من "حزب الله" أن القضية تجاوزت ملفّ المتفجرات إلى ما تعتبره معركة وجود يخوضها "الحزب" في مواجهة ضغوط متراكمة تستهدف سلاحه ودوره ومستقبله السياسي والعسكري. فـ"الحزب"، وفق المصادر، لم يعد ينظر إلى الإجراءات المتخذة بحقه باعتبارها مجرد خطوات قضائية أو أمنية، بل جزءاً من مسار أوسع يهدف إلى تضييق الخناق عليه داخلياً، بالتزامن مع استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان. وتعتبر المصادر أن خطورة هذا المسار تكمن في أن "الحزب" يجد نفسه أمام محاولة لتقييد قدرته على المواجهة، في وقت تتواصل فيه عمليات التجريف والتدمير في القرى الجنوبية والاعتداءات على المواطنين والممتلكات، من قبل العدو الإسرائيلي، من دون أن تتمكن الدولة من وقفها أو توفير الحماية المطلوبة. وبذلك، فإن المسألة بالنسبة إليه لم تعد محصورة بالدفاع عن سلاحه، بل باتت تتصل بالدفاع عن وجوده وقدرته على الاستمرار، وسط مخاوف من أن يؤدي تراكم الضغوط الداخلية والخارجية إلى فرض وقائع جديدة تمسّ موقعه ودوره في المعادلة اللبنانية. وبين موقف الدولة وهواجس "حزب الله"، يبرز رأي ثالث يدعو إلى اعتماد مقاربة تجمع بين حق الدولة في بسط سيادتها وتثبيت سلطتها والحفاظ على أمنها واستقرارها، وضرورة تجنيب البلاد مواجهة داخلية قد يصعب احتواؤها. ويستند هذا التوجه إلى إدراك حساسية المرحلة، وهو ما يفسّر، بحسب المصادر، التريّث الحكومي في إحالة الملف إلى المجلس العدلي، بعدما تلقّت مراجع رسمية رسائل حازمة من "حزب الله" عكست حجم اعتراضه على المسار المطروح، وحذّرت من مغبّة الذهاب بالقضية إلى مستويات قد تهدّد الاستقرار الداخلي. وفي هذا السياق، يُطرح استمرار القضية أمام القضاء العسكري مخرجاً محتملاً يتيح استكمال التحقيقات ويحفظ للدولة صلاحياتها، من دون نقل الخلاف إلى مستوى أشد خطورة، إلا أن نجاح هذا المخرج يبقى مرتبطاً بمدى استعداد الأطراف المعنية لضبط التوتر ومنع تحوّل القضية إلى مواجهة سياسية مفتوحة. وتشير المصادر إلى أن أجواء "حزب الله" تعكس استياءً متزايداً من المسار الذي تسلكه الدولة في التعامل معه، وأن هامش صبره بدأ يضيق أمام ما يعتبره محاولة لمحاصرته داخلياً، في وقت لا تزال فيه المواجهة مع إسرائيل مفتوحة. وترى المصادر أن "الحزب" قد يتّجه إلى رفع سقف مواقفه، انطلاقاً من قناعته بأنه لا يزال يمتلك القدرة على مواجهة الضغوط ورفض الوقائع التي تحاول بعض الأطراف فرضها عليه. لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنه اتخذ قراراً بالتصعيد، وإن كان استمرار هذا المسار ينذر بمزيد من التوتر في علاقته مع الدولة، ويزيد المخاوف من انزلاق الخلاف إلى مواجهة داخلية يصعب احتواء تداعياتها. وأمام هذا المشهد المعقّد، تكمن خطورة المرحلة في أن استمرار الضغوط على "حزب الله"، بالتزامن مع عجز الدولة عن وقف الاعتداءات الإسرائيلية، قد ينقل الخلاف إلى مستويات تتجاوز الحسابات القضائية والسياسية. فـ"الحزب" قد يلجأ إلى مواقف أكثر تشدداً كلما شعر بأن الإجراءات المتلاحقة تهدد وجوده، في حين تواجه الدولة تحدياً لا يقل خطورة في سعيها إلى تثبيت سلطتها والحفاظ على استقرار البلاد وسط الضغوط الداخلية والخارجية. ومع اتساع الهوة بين الطرفين، لن يعود ملف المتفجر