كل ما يشغل بال المواطن اللبناني يوسف هو مصير قطعة أرض اشتراها في بلدة بنت جبيل جنوبي لبنان، كان يحلم بأن يبني عليها منزلا لعائلته. لكن الحرب وضعت الأرض داخل منطقة أمنية لا يستطيع الوصول إليها، فتحول مشروع البيت الذي أراده لأطفاله إلى انتظار مفتوح. بالنسبة إلى يوسف، لا تبدو الانتخابات الإسرائيلية حدثا سياسيا بعيدا عن حياته اليومية، ولكن لا تعنيه كثيرا أسماء المتنافسين على رئاسة الحكومة الإسرائيل، بل يريد أن يحدثا شيئا يغير حياته وحياة اللبنانيين. يقول يوسف لـ”الحرة” إن بقاء، بنيامين نتنياهو، في السلطة أو وصول، غادي آيزنكوت إليها، لا يمثل الفارق الأهم بالنسبة إليه، ما يريده هو أن تتوقف الحرب، وأن يتمكن من العودة إلى أرضه وبناء منزل يوفر لأطفاله حياة مستقرة، بعيدا عن الخوف من مواجهة عسكرية جديدة. أما خسارة حسين، وإن كانت اتخذت شكلا آخر، إلا أنها تصب في ذات الأمل ال1ي ينتظره يوسف، وهو أن الحدث الذي يوقف الحرب إلى غير رجعة. حسين أب لثلاثة أطفال فقد متجر الملابس الذي كان مصدر دخله الوحيد في الضاحية الجنوبية لبيروت. وبعد أن اندلعت المواجهة العسكرية، اضطر إلى العمل حارس أمن لساعات طويلة، براتب لا يكفي لتأمين مستوى المعيشة الذي اعتادت عليه أسرته. وبينما تغيرت تفاصيل حياته اليومية، بات مستقبل أطفاله هاجسه الأكبر، لا نتائج الانتخابات الإسرائيلية، بل ما يقلق حسين هو احتمال أن يجد لبنان نفسه مجددا في حرب إقليمية. قصتا يوسف وحسين تختصران جانبا من حياة لبنانيين لم تنته الحرب بالنسبة إليهم بانحسار المعارك. فهناك من لا يستطيع العودة إلى منزله أو أرضه، ومن فقد عمله ومصدر رزقه، وآخرون يعيشون تحت وطأة الخوف من نزوح جديد. وفي وقت يحاول هؤلاء إعادة ترتيب حياتهم، لا تزال الأسئلة الأمنية والسياسية التي قادت إلى الحرب حاضرة، من دون أن تتضح تسوية تضمن عدم تجددها. في بيروت، لا يبدو الترقب محصورا بمن سيتولى رئاسة الحكومة الإسرائيلية، بل يمتد إلى طبيعة السياسة التي ستتبناها الحكومة المقبلة تجاه لبنان. فالنائب المستقل عن بيروت إبراهيم منيمنة لا يتوقع تحولا جوهريا في هذه السياسة بتغير رئيس الحكومة، وقال لـ “الحرة” إن هذه السياسة تقوم على “التوسع والعمليات العسكرية الاستباقية، وفرض ما تصفه إسرائيل بسيادتها الأمنية، حتى على حساب سيادة الدول المجاورة”. ويعتقد النائب نزيه متى، عضو تكتل “الجمهورية القوية”، أن الاختلاف بين نتنياهو وآيزنكوت يتعلق بـ “التكتيكات أكثر مما يتعلق بالأهداف”، وفي مقدمتها إنهاء سلاح حزب الله وإبعاد التهديدات عن شمال إسرائيل. وتصنف الولايات المتحدة الأميركية حزب الله منظمة إرهابية. يقول متى لـ”الحرة” إن الظروف الراهنة قد تمثل فرصة لإسرائيل، في ظل تقاطع مواقف دولية وعربية ولبنانية حول ضرورة بسط الدولة اللبنانية سيادتها على كامل أراضيها. أما النائب السابق فارس سعيد، فيربط اهتمام اللبنانيين بالانتخابات الإسرائيلية بخصوصية الصراع مع إسرائيل وما خلفته الحرب التي أطلق عليها حزب الله تسمية “حرب إسناد غزة” من تداعيات مدمرة، بينها سيطرة إسرائيل على أراض لبنانية في الجنوب. ويقول سعيد، في حديث لـ”الحرة” إن نتائج الانتخابات “ستحدث تغييرا جوهريا” في السياسة الإسرائيلية، معتبرا أن إسرائيل تسعى منذ السابع من أكتوبر إلى انتزاع ما وصفه بـ”بوليصة تأمين” لأمنها في المنطقة، سواء عبر التفاوض أو استخدام القوة. ما يزيد القلق اللبناني أن التهدئة القائمة لا تعني بالضرورة أن احتمالات الحرب قد تراجعت إلى حد بعيد. ونقلت وكالة رويترز عن مسؤولين أمنيين لبنانيين ومصادر مطلعة على أنشطة حزب الله، أن الجماعة أمضت ثلاثة أشهر في الاستعداد لاحتمال استئناف القتال مع إسرائيل، بعد تلقيها تمويلا إيرانيا بعشرات الملايين من الدولارات لتعزيز قدراتها العسكرية. وبحسب المصادر التي نقلت عنها الوكالة، شملت جهود الحزب إعادة التسلح، وشراء المتفجرات، وإنتاج طائرات مسيرة، إلى جانب العمل على إعادة بناء هياكل القيادة والسيطرة التي تضررت خلال المواجهات السابقة. كما تحدث التقرير عن صعوبات لا تزال تواجه الحزب في استعادة قدراته القتالية، في وقت تواصل فيه إسرائيل استخدام أنظمة مراقبة وطائرات ومركبات تعمل عن بعد في جنوب لبنان. هذه المعلومات، التي لم يقدم حزب الله ردا يؤكد تفاصيلها، تأتي في وقت لا تزال فيه القوات الإسرائيلية تحتل مواقع في قرى جنوبية، وتتزايد فيه الضغوط السياسية في بيروت لنزع سلاح الحزب. وتبدو المفاوضات بين لبنان وإسرائيل اختبارا صعبا لقدرة الدولة اللبنانية على وقف الهجمات واستعادة سيادتها، من دون أن يتحول ملف سلاح حزب الله إلى عامل إضافي يهدد الاستقرار الداخلي. ويقوم الاتفاق، الذي جرى التوصل إليه عبر وساطة أميركية، على تعهد بيروت بنزع سلاح حزب الله، مقابل انسحاب ال