كشفت دراسة بحثية عن واحدة من أوسع حملات التأثير والتضليل الرقمي في أوروبا، استهدفت فرنسا ودولاً أخرى على مدى ثلاث سنوات، بآلاف الإعلانات العنصرية التي جعلت من دولة قطر محوراً لرسائلها، بينما أظهرت دلائل تقنية صلاتٍ محتملة بجهات في القطاع الخاص الإسرائيلي. وأعد الدراسة التي نشرتها صحيفة "لوموند" الأستاذ في جامعة "نورث وسترن" مارك أوين جونز والباحث المستقل سوهان دي سوزا. وبحسب الدراسة، حصدت الحملة ما لا يقل عن 830 مليون مشاهدة في "يوتيوب" و"تيك توك" و"فايسبوك"، بميزانية يرجح أنها تجاوزت 10 ملايين يورو. ووصف الباحثان العملية بأنها إحدى أضخم حملات التأثير والتضليل الموثقة. ونشر الباحثان تقريراً أولياً عن الحملة العام 2024، وأظهرت الدراسة الجديدة أن الحملة استمرت رغم البلاغات المتكررة عنها، ورغم مخالفتها الصريحة للقوانين وقواعد المنصات الرقمية. وتتنوع مواد الحملة بين مقاطع ساخرة مستوحاة من لعبة الفيديو "غراند ثيفت أوتو" تحت اسم "غراند ثيفت قطر"، يظهر فيها رجل بزي خليجي يشتري عقارات أوروبية لتحويلها إلى مساجد، وبين سلاسل مصورة لتدفق المهاجرين إلى مدن القارة تحت شعار موحد "قطر هي المسؤولة". وصورت الإعلانات الدوحة "داعمة للإرهاب" و"محركاً للهجرة غير النظامية" نحو أوروبا، وتزعم وجود مخطط لأسلمة القارة، فيما تصدرت فرنسا لائحة الدول المستهدفة في الأشهر الأخيرة بنحو 120 مليون مشاهدة، ويربط الباحثان توقيت الإعلانات بالمواعيد الانتخابية. وتكرر النمط في ألمانيا العام 2026، وقد توقفت الإعلانات فجأة عشية الانتخابات المحلية في ولاية سكسونيا أنهالت، التي حقق فيها حزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني المتطرف مكاسب واضحة. وأكد التقرير أن الحملة مازالت في ذروتها، في دول مقبلة على استحقاقات حاسمة العام 2027، وفي مقدمتها فرنسا وإيطاليا، ما يشير إلى سعي استباقي لإعادة تشكيل المزاج السياسي عبر ضخ منتظم لرسائل معادية للمسلمين والمهاجرين. في المقابل، أظهرت تعليقات للمستخدمين إدراكاً للطابع المنسق لهذه المقاطع وإدانة لمضمونها العنصري. وكشفت الدراسة عجز أنظمة الرقابة لدى شركات التكنولوجيا الكبرى عن احتواء الحملة، ففي "تيك توك" حذفت عشرات الإعلانات بعدما تجاوزت مشاهداتها المليون، ومول كيان تجاري مجهول حملات تخالف قواعد المنصة. أما في "يوتيوب"، فلم تكن إزالة الحسابات المشبوهة سوى إجراء مؤقت، إذ يعيد القائمون عليها إنشاء حسابات بديلة في أقل من 24 ساعة. وأظهرت الدراسة اعتماد الشبكة على إخفاء التمويل، إذ اعتمدت الشبكة في البداية على وسيط فيتنامي، ثم لجأت إلى حسابات أفراد في البرازيل لشراء مساحات إعلانات سياسية بعشرات الآلاف من اليوروهات دفعة واحدة. وأظهرت سجلات الشفافية في "تيك توك" أن إيران سجلت جهة ممولة لبعض الإعلانات. لكن الباحثين يظنون أن مضمون الحملة وتوقيتها يخدمان مصالح إسرائيل، الخصم المشترك لطهران والدوحة. وربط الباحثان ذلك بعدد من المؤشرات، منها حملات موازية في لبنان تهاجم إيران و"حزب الله" من دون أي إشارة سلبية إلى إسرائيل. والتوافق مع أجندة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى جانب أن البيانات الوصفية غير المموهة لبعض المقاطع أوضحت أن فرق المونتاج كانت تعمل ضمن التوقيت المحلي الإسرائيلي. ووثق الباحثان أسماء مستعارة لصناع المحتوى، أبرزها "ShukiD". وهو اسم معروف في الأوساط السياسية الإسرائيلية، إذ أنتج صاحبه مواد دعائية لحملات سابقة، منها حملة موشيه كحلون وزير المالية الأسبق في حكومة نتنياهو. ويعرض موقعه الشخصي نماذج لحملات سياسية أدارها في زيمبابوي والكونغو.