امرأة ترتدي عباءة سوداء تسير في شوارع بعض قرى قضاء صور، وخلفها سيارة مرسيدس بنية اللون، تساندها في عملية خطف الأطفال. هذه هي المعلومة التي انتشرت على مدى نحو أسبوعين وسط غياب أي معلومات واضحة ومؤكّدة من القوى الأمنية أو البلديات. بدأت الرواية من مشروع سكني قرب مفرق بلدة العباسية عند المدخل الشمالي لمدينة صور. قيل أنّ امرأة تجوب المشروع وتحاول اختطاف الأطفال. وهناك مَن أكَّدَ رؤيتها تلاحق أطفالاً. انتقلت الحادثة إلى أكثر من قرية، بلا إثباتات من كاميرات المراقبة لدى العديد من المحال والمؤسسات، من سوبرماركت وصيدليات ومطاعم وغير ذلك. فما حقيقة الرواية؟ انتشرت صورٌ ثابتة غير واضحة المعالم، لسيّدة تجلس على رصيف أحد الشوارع، ويبدو في طرف الصورة، جزء من سيارة مرسيدس بنية اللون. وقيل أنّها توثيق للعصابة، وتالياً تأكيد على عمليات الخطف. بعد أيام، ظهرت رواية تقول بأنّ الصور مركّبة بواسطة برامج الذكاء الاصطناعي، ولا وجود لعصابة تخطف الأطفال. ثم ينتشر فيديو من أحد أبناء بلدة جوَيّا قضاء صور، يؤكّد فيه تعرّض طفلته لمحاولة خطف، فيما كانت ترافقها عاملة أجنبية على الشارع العام. ويقول الشاب، إنّ امرأة طلبت من طفلته مرافقتها، لتصرخ العاملة في وجهها، وتهرب. انتشرت الروايات كالنار في الهشيم. مسبّبة حالة هلع في أجواء القرى المحيطة بمدينة صور. فالمسألة ليست سهلة، إذ إنّ المرأة المذكورة تتنقّل بين الأحياء أيضاً. ما دفع بعض البلديات إلى إصدار بيانات تطلب من الأهالي أخذ الحيطة والحذر والانتباه لأطفالهم، خصوصاً في محيط المدارس والمجمّعات التجارية والحدائق وأماكن اللهو. كما تمنّت على الأهل توعية أطفالهم حول عدم الاستجابة لنداءات الغرباء. وهذا أمر جيّد ومطلوب في مثل هذه الحالات. ورغم التحذير، استمرّت تلك العصابة بالانتقال بين القرى، وأخذت الروايات والصور تتناقل عبر مواقع التواصل الاجتماعي ومجموعات الوتسأب. ولمزيد من الرعب، قيل بأنّ المرأة هي في الواقع رجل يرتدي عباءة نسائية، وهذا ما فسَّر بالنسبة إلى البعض، سرعة اختفائها وعدم إلقاء القبض عليها. لم يقدّم أحد دليلاً ملموساً على تلك العصابة. فلا مشهد فيديو من أحد الشوارع التي قيل إنّ العصابة سلكتها، ولا صورة واضحة. والأصعب، أنّ إحدى الصور غير الواضحة، التُقِطَت من مسافة قريبة جداً من المرأة، لكن مَن التقطها، لم يسارع إلى توقيف المرأة أو سائق السيارة. وهذا ما عزّز فرضية أن تكون القصة مُختَلَقة. بعد زرع الرعب في مختلف القرى، وكثرة الروايات التي تؤكِّد رؤية تلك المرأة والسيارة، وتساؤل المواطنين عن دور البلديات والقوى الأمنية والأحزاب، اختفت تلك العصابة فجأة، كما ظهرت فجأة. وانتشر فيديو قصير يصوّر عباءة وحجاباً مرميّين على الطريق العام عند مدخل بلدة دير قانون النهر، ومصوِّر الفيديو يقول إنّه شاهدَ المرأة تجلس على الرصيف عند النصب التذكاري على مدخل البلدة، وعندما اقترب للامساك بها "اختفت... خلعت ثيابها وهربت". ليظهر فيديو آخر يؤكّد بأنّ شاباً يدعى أ.ح.ع. يسكن في دير قانون النهر، هو مَن يرتدي العباءة والحجاب. وعند هذا الحدّ، انتقلت الروايات إلى سردية أنّ الأمر برمّته عبارة عن مزحة قام بها بعض الشُبّان. وتؤكّد مصادر أمنية لـِ "المدن" أنّه "لم يظهر أي شيء رسمي حول هذه القضية، فلم يتم توثيق أي صورة أو فيديو رسمي، ولم يدّعِ أحد تعرّض أي طفل لمحاولة اختطاف، ولم يقدِّم أي مواطن بلاغاً رسمياً بأنّه رأى تلك المرأة أو السيارة البنّية. وهذا ما يؤكّد أنّ الملف مفبرك". حتى اللحظة، لا رواية رسمية من القوى الأمنية تطمئن الناس أنّ الموضوع هو رواية مُختَلَقة. وما يزيد الوضع سوءاً، أنّ القصة حصلت في قرى جنوبية تعيش في الأصل حالة حرب ورعب. ولكن، مع افتراض أنّ القصة مختَلَقة أو مجرّد مزحة سمجة. فإنّ انتشار رواية كاذبة، يعني إمكانية ترويج أي رواية أخرى تخدم مَن يبحث عن ترويع الناس أو توجيه أنظارهم إلى أمور معيّنة أو حرفها عن أمور أخرى. أمّا تبنّي احتمال المزحة مع التنقّل في القرى، فهذا يعني أنّ بإمكان أي مجموعة، التنقّل بحرّية. ومَن استطاع التظاهر بأنّه سيخطف أطفالاً، ووصل فعلاً إلى الشوارع والأزقة، يمكنه تنفيذ الخطف فعلياً، وربما تنفيذ عملة قتل، أو زرع عبوة ناسفة أو جهاز تجسّس أو أي عمل يخلّ بالأمن. وفي حال اقتصار الأمر على الترويج لقصّة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فذلك لا يعفي المروِّجين من مسؤولية ترويع الناس، وتالياً، يجب محاسبتهم قانونياً وفضح أمرهم بين الناس ليُعاقَبوا اجتماعياً. وفي السياق، يؤكّد أحد المحامين، في حديث إلى "المدن"، أنّه "في ظل عدم وجود محاضر رسمية، يمكن لهذه القضية أن تنتهي وتُنسى. وإذا ثبت أنّ هناك بعض الشبّان قد روَّجوا هذه القصّة على سبيل المزاح، فيُعاقَبون بجرم ترويع الأهالي، لكنّ أقصى ما يتمّ فعل