تتجه دار الفتوى إلى مواجهة هي الأشد داخل مؤسساتها، مع انعقاد جلسة المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى اليوم. وفيما يسابق مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان وفريقه الوقت لتأمين النصاب القانوني، تقف المؤسسة الدينية أمام أزمة مؤسسية وتوازنات مهددة، بفعل مقاطعة جماعية لافتة من أعضاء المجلس ممثلي العاصمة بيروت، الذين أعلنوا جميعاً اعتذارهم عن الحضور. وتكشف معلومات «المدن» أن الخلاف الدائر في أروقة الدار يتجاوز مجرد تأمين الحضور العددي لعقد اجتماع، ليمسّ عصب البنية التنظيمية وهيكلية المؤسسة. إذ يتضمن جدول الأعمال المطروح تعديلات على المرسوم الاشتراعي الرقم 18 الناظم لشؤون دار الفتوى والأوقاف الإسلامية السنية، إلى جانب طرح تثبيت مفتي صور الشيخ مدرار الحبال، وتعديل صلاحيات اللجنة القضائية، في خطوات ترى مصادر معترضة أنها قد تعيد رسم خريطة النفوذ والقرار داخل المؤسسة. تؤكد مصادر «المدن» أن شرارة الاعتراض البيروتي اندلعت احتجاجاً على ما تصفه بتعاظم نفوذ مجموعة من المشايخ والمستشارين المقربين من المفتي، والذين تقول المصادر إنهم باتوا يشكلون ما يشبه «الغرفة السوداء» لإدارة الملفات الحساسة والتأثير في القرارات داخل دار الفتوى. وتضم هذه المجموعة، وفق المعطيات، كلاً من المشايخ محمد المراد، ومحمد العساف، وموفق الرواس، وفايز السيف، وإياد البردان. لكن البعد التنظيمي والقانوني يبقى الأكثر حساسية. إذ تطرح بنود جدول الأعمال، وقد حصلت المدن على ابرزها، محاولة لإعادة هندسة قواعد الانتخابات والمواقع القيادية المقبلة: تعديل المرسوم 18 واللجنة القضائية: تتضمن التعديلات المطروحة إعادة النظر في نصاب اللجنة القضائية وآليات اتخاذ قراراتها، وهي اللجنة التي تؤدي دوراً محورياً في ملفات الترشح لموقعي الإفتاء وعضوية المجلس الشرعي. وترى المصادر أن تعديل هذه الآليات قد يؤثر مباشرة في قواعد المنافسة والانتخاب داخل المؤسسة. تثبيت المفتين بدل انتخابهم: يبرز طرح تثبيت مفتي صور الشيخ مدرار الحبال، في حين أن الآلية المعمول بها، وفق النصوص الناظمة، تقوم على الانتخاب. وتعتبر المصادر أن تجاوز هذه الآلية يفتح الباب أمام تكريس التعيين على حساب الهيئات الناخبة المحلية. إشكالية التمديد: تنعقد الجلسة في ظل وجود تقرير صادر عن مجلس شورى الدولة يتناول قانونية التمديد، ويتضمن، وفق المعلومات، اعتبار التمديد موضع الطعن باطلاً. وترى المصادر أن المضي في عقد الجلسة واتخاذ قرارات جديدة في ظل هذه الإشكالية قد يفتح الباب أمام طعون قانونية إضافية. أمام هذه الأجندة الخلافية، جاء موقف أعضاء المجلس الشرعي عن بيروت جماعياً، إذ أعلنوا جميعاً اعتذارهم عن الحضور، في خطوة تعكس حجم الاعتراضات داخل العاصمة على طريقة إدارة بعض الملفات في دار الفتوى. وتعتبر مصادر «المدن» أن هذا الموقف يتجاوز الاعتراض على بنود محددة، ليشكل رسالة احتجاج على مسار إدارة المؤسسة وصلاحيات بعض المحيطين بالمفتي. وبحسب معلومات «المدن»، اعتذر 12 عضواً عن حضور الجلسة، فيما أعلن 17 عضواً استعدادهم للمشاركة، ليصل العدد إلى 18 مع احتساب المفتي دريان، وقد يرتفع إلى 19 في حال حضور الشيخ إياد البردان الموجود خارج لبنان. لكن النصاب المطلوب لانعقاد الجلسة يبلغ 20 عضواً، ما يجعل تأمين العدد القانوني التحدي الأساسي أمام دريان. وفي محاولة لتأمين النصاب، تكشف المصادر أن دريان يسعى إلى حث وزراء الحكومات السابقين والحالي نواف سلام على الحضور والمشاركة في الجلسة، إلا أن المعلومات تشير إلى أن الوزراء لن يشاركوا، ما يزيد صعوبة استكمال العدد المطلوب، ويضع انعقاد الجلسة أمام اختبار حاسم. تأتي جلسة اليوم لتشكل اختباراً لموازين القوى والتوازنات الداخلية في دار الفتوى. فبين مساعي رئاسة الدار لتأمين النصاب والمضي بجدول الأعمال، وتمسك أعضاء بيروت بمقاطعتهم اعتراضاً على التعديلات المطروحة، تقف المؤسسة أمام فصل جديد من التجاذبات. وتحذّر المصادر من أن تمرير التعديلات في هذا التوقيت قد ينعكس على آليات الترشح والانتخاب وصلاحيات الهيئات المعنية داخل دار الفتوى، ويفتح الباب أمام نزاعات قانونية جديدة، في وقت لا تزال فيه إشكالية التمديد حاضرة. وبذلك، لا تبدو المعركة محصورة في تأمين عشرين عضواً لانعقاد جلسة المجلس الشرعي، بل تتّصل أيضاً بمن يملك حق رسم قواعد اللعبة داخل دار الفتوى، ومن يحدد آليات الوصول إلى مواقع القرار فيها، في مواجهة قد تتجاوز نتائجها جلسة اليوم.