لا يُراد بالعنوان أعلاه اللعب على البلاغة التقليدية باستخدام كلمتين شبه متطابقتين لفظاً، ومختلفتين في المعنى، ولا يُراد استخدام واحدة منهما كمرادف أو كاستكمال للثانية. بل يمكن الزعم بأن بيروت اليائسة ليست بالضرورة بيروت البائسة، فالاثنتان تتقاطعان بلا شك، وإن بلا تطابق، ولا يندر أن يكون (في بيروت وسواها) الأشد يأساً منتمياً إلى ما يُنظر إليه بوصفه أقل بؤساً. ساحة ساسين في الأشرفية تغيّرت عمّا كانت عليه قبل دزينة من السنوات؛ كان ثمة مقهيان مليئان عادة بالشباب، وعلى الأرجح كان أكثرهم وأكثرهن من سكان المنطقة. سيقول لي الأصدقاء إن الأشرفية فرغت من شبابها، لأنهم يهاجرون بكثافة، والهجرة (كما هو حال معظمها) تعبيرٌ عن اليأس من أحوال البلد؛ الآن وفي المستقبل المنظور. سائق التاكسي سيسأل، على الأرجح كما اعتاد أن يفعل، عن رأي الراكب في الأحوال؟ وعندما يسأله عن رأيه هو، يسهب في شرح ما آل إليه البلد من بؤس، ثم يسأل من دون أن يتعمد استخدام الصيغة الجارحة للسؤال: ألا نستحق أفضل من هذا؟ ربما بدا سؤالاً جارحاً لأنه أدنى من اليأس! لأنه ينطوي على احتمالٍ ما لا يتحقق، وعلى استحقاقٍ لا يأتي من أي امتياز سوى الانتماء إلى البشرية. سائق آخر، بسيارته الشبيهة بوجهه المتهالك، سأل عن الرأي في الأحوال، وراح سريعاً يفرغ غضبه مما تسببت به أزمة المصارف، ثم جولات الحرب، وفي نهاية المشوار طلب "مساعدة" أكثر مما هي أجرة، ولعله فعل ما لم يفعله زميله الذي يأمل بكبرياء قديم "أننا" نستحق الأفضل. مبانٍ عديدة تقدّمت في السن، بما يفوق دزينة من السنوات مرّت، وثمة مبانٍ أخرى حديثة تنهض، من دون أن توحي ببهجة الحديث أو النهوض، إذ بالقياس على الموجود ربما يكون البناء الجديد بنسبة من السكان أقل مما يُتوقع نظرياً. الأبنية التجارية المعروفة نجت من التقدم في السن بفعل الاهتمام بها، لكن يبدو أن هذا الاهتمام ثمنه غالٍ جداً، فالأسعار فيها تتفوق على نظيرتها في باريس مثلاً، ويبدو عسيراً على الفهم (حتى ضمن كومة المتناقضات) أن يخصص بناء من تصميم المعمارية الشهيرة زها حديد كمتجر لماركة عالمية تُحسب ضمن ما دون الوسط! الحياة مستمرة، فقط لأنه من دأبها أن تستمر على نحو أو آخر. هذا ما يمكن استخلاصه من مجمل الأحاديث عن أحوال لبنان، ورغم أن البؤس ليس مشتركاً، وكذلك هي تبريرات اليأس التي تختلف قليلاً بين هنا وهناك، إلا أن السمة الغالبة هي اليأس من لبنان بمجمله. ثمة نقلة في المزاج الدارج عموماً، فقبل عقد أو أكثر قليلاً كان يمكن العثور على نوع من الأمل في ذلك الحديث عن البلد الذي أتقن ويتقن العيش وسط الحروب، في حين صار الحديث الدارج عن البلد المنهك من الحروب التي لا أمل بالخلاص منها. بالأحرى صار الحديث عن بلد ميؤوس منه ضمن الحدود الدنيا، أما فكرة "الوطن" فقد تثير السخرية ليس إلا؛ هي لم تعد مدعاة للأسى حتى. ميزة هذا اليأس أنه لبناني إلى حد كبير، بمعنى عدم إيلاء الانتباه الكافي إلى دواعي اليأس المحيطة بلبنان. ففيما مضى، قرابة نصف قرن من الحروب، أتقن لبنان العيش في خضمها لأنه لم يكن متروكاً وحده كما قد يكون الأمر حالياً وفي المستقبل المنظور. هذا قد يكون سبباً إضافياً لليأس في لبنان، وفي الجوار الذي لن يكون أحسن حالاً كما يتوهم بعض اللبنانيين. قد تنقسم المنطقة سريعاً بين بلدان بحاجة ماسة إلى المساعدة وأخرى لم تعد قادرة على تقديم العون، والحال نفسه بالنسبة للعديد من دول الغرب التي لديها اهتمام تقليدي بلبنان أو بالمنطقة. إضافةُ العامل الأخير قد تعزز من أسباب اليأس ومشروعيته، إلا أنها أيضاً توضّح جانباً من فداحته حينما لا يكون اليأس ترفاً. اليوم، في لبنان وما يشبهه من بلدان المنطقة، سيكون من العسير التعويل على حلول تأتي من الخارج، أو حتى على ما هو أدنى من الحل. لن يكون ممكناً التعويل على خارجٍ منشغلٍ بأزماته، وبهذا المعنى لم يعد ممكناً ذلك اليأس المطمَئن إلى الغير، وبالمعنى نفسه يكون اليأس وصفة فعلية للانتحار، لا للاستقالة من الفعل كما هو حاله غالياً. وقد لا يخلو نقد اليأس من تطلّبٍ غير لبناني، فلبنان الذي بدا كأنه مشكلة المنطقة، منذ بدأت الحرب الأهلية، نُظر إليه من قبل بوصفه نموذجاً للمستقبل. في سوريا على نحو خاص، لطالما كان لبنان نموذج الحريات النقيض لحكم البعث، وإليه هرب رأسمال وطني، وباحثون عن حرية الرأي وكتّابٌ عرفهم السوريون من خلال لبنان، فضلاً عن أقوام سبقتهم. اليأس اللبناني، بهذا المعنى، هو إعلان فشل نموذج الحريات، وبما يبرر ضمناً للعديد من بلدان الجوار السيرَ في الاتجاه المعاكس، خصوصاً مع الاستقواء بما يُعتقد أنها نهاية الديموقراطية في العالم. بالطبع، لا يحتاج اللبنانيون زائراً يظهر كأنما يبين لهم "مضار" اليأس، وفي الأصل من حق أيٍّ كان أن يزيح عن كاهله أملاً مرهقاً صعبَ التحقيق. لا بأس