بين القلق من جولة إقليمية جديدة والرهان على نجاح الاتصالات الدبلوماسية، يتحرك الداخل اللبناني على إيقاع محاولة احتواء التوتر ومنع انتقاله إلى مواجهة سياسية مفتوحة. وفي هذا المناخ، يبرز الادعاء في قضية شحنة متفجرات ضهر البيدر باعتباره مخرجًا يجمع بين استمرار الملاحقة القضائية وضبط تداعياتها، مع إبقاء الملف بعيدًا عن التصعيد الذي قد تفرضه إحالته إلى المجلس العدلي. فالأجواء اللبنانية حيال التطورات الإقليمية ليست واحدة. هناك من يخشى مواجهة جديدة مع إيران لن يكون لبنان بمنأىً عن تداعياتها، ومن يراهن على الحوار الأميركي الإيراني والوساطات الباكستانية والخليجية لتجنب الحرب. وينعكس هذا التباين، وفق الأجواء السياسية المنقولة، بين قلق الرئاسة الأولى وتفاؤل أكبر لدى الرئاسة الثانية، استنادًا إلى إشارات إيرانية عن تقدم في التفاوض. لكن هذا الاختلاف في تقدير المشهد الخارجي يلتقي داخليًا عند الحاجة إلى الهدوء. وتندرج في هذا السياق دعوة الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم إلى الحوار، وتأكيدها من رئيس المجلس التنفيذي علي دعموش، ومقابلتها بموقف إيجابي من رئيس الجمهورية حيال معالجة الخلافات الداخلية بالحوار. على هذه الخلفية، اكتسب ملف ضهر البيدر حساسية تتجاوز الشحنة المضبوطة. فالملاحقة تتصل بسلاح حزب الله، وبعلاقته بالدولة، وبقدرة المؤسسات على تطبيق قراراتها، في لحظة إقليمية لا تحتمل فيها القوى السياسية كلفة انفجار داخلي. وتتحدث الأوساط السياسية الواردة في هذه الرواية عن نصائح تلقاها الحزب بالتعاطي بمرونة مع ما سيصدر عن القضاء، وعن دور سعودي في تشجيع التروي. ويُنسب إلى مسؤول الملف اللبناني الأمير يزيد بن فرحان تحرك للحيلولة دون دفع الحكومة نحو إحالة القضية إلى المجلس العدلي. وإذا صحت هذه المعطيات، فإنها تضع المسار القضائي ضمن محاولة أوسع لضبط التصعيد، من دون أن تثبت بذاتها تدخلًا مباشرًا في اختيار مواد الادعاء. وفي المقابل، تتحدث الأوساط نفسها عن استياء أميركي من احتواء الملف، وعن ضغوط لاستكمال الملاحقة بسقف أعلى. وهنا تبدو القضية نقطة تقاطع بين اتجاه يريد توظيفها لتشديد الضغط على حزب الله، واتجاه آخر يخشى أن تتحول إلى مدخل لمواجهة داخلية يصعب التحكم بنتائجها. وسط هذا التجاذب، جاء الادعاء جديًا في اتهاماته، لكنه محسوب في حدوده. فقد شمل الاتفاق على ارتكاب جنايات والنيل من سلطة الدولة، وتعريض لبنان لأعمال عدائية، وتأليف فصائل مسلحة أو تجهيزها دون رضى السلطة، إلى جانب جرائم الأسلحة والمتفجرات. لكنه لم يعتمد أوصاف الإرهاب والفتنة والحرب الأهلية، ولم يتضمن المادة الخاصة بإعداد المتفجرات لارتكاب جنايات ضد الدولة. هذه الحدود هي موضع السؤال السياسي. فالملاحقة قائمة، لكن السقف بقي دون الأوصاف التي كان من شأنها، إذا توافرت عناصرها، أن تمنح المطالبة بالمجلس العدلي زخمًا أكبر، وأن توسّع المواجهة من أفعال أشخاص إلى نقاش حول طبيعة المشروع الذي كانت الشحنة جزءًا منه. وفي هذا الإطار، يُنقل عن رئيس مجلس النواب نبيه بري اعتباره أن ما صدر يأتي في المسار القانوني الطبيعي، ومقارنته القضية بعمليات ضبط أسلحة وذخائر أخرى تُحال إلى القضاء العسكري، متسائلًا عن سبب تخصيص ملف ضهر البيدر بالمطالبة بإحالته إلى المجلس العدلي. ويعكس هذا الموقف سعيًا إلى تثبيت مرجعية القضاء العسكري ورفض إعطاء الملف مسارًا استثنائيًا. غير أن المقارنة بين كميات الأسلحة المضبوطة لا تحسم وحدها طبيعة القضية. فالعبرة أيضًا بالغاية من نقلها، والجهة التي اتخذت القرار، والأهداف المعدّة لها. ومن هنا تبرز دلالة غياب المادة 312، التي تتناول صنع المتفجرات أو اقتناءها أو حيازتها بقصد ارتكاب جناية ضد الدولة أو تسهيلها، رغم أن الادعاء اعتمد المادة 335 لجهة الاتفاق والنيل من سلطة الدولة وهيبتها. كذلك، بقيت خارج الادعاء مواد الإرهاب التي تربط استخدام المتفجرات بقصد إحداث الذعر والخطر العام، ومواد الفتنة والاقتتال، والعصابات المسلحة التي تستهدف مهاجمة القوة العامة أو مقاومتها. ولا تنطبق هذه النصوص تلقائيًا بمجرد وجود الشحنة، لكن عدم اعتمادها يترك سؤالًا عن مدى بحث التحقيق في غايات العملية وحدودها. أما حزب الله، فجمع بين رفض الاتهامات وتجنب تحويل الاعتراض إلى مواجهة مفتوحة. وقد أكد أن المواد كانت معدّة لمقاومة الاحتلال، لا للمس بأمن الدولة. وذهب النائب حسين الحاج حسن، في الموقف المنقول عنه، إلى اعتبار أن المدعى عليهم كانوا يؤدون واجبًا وطنيًا دفاعًا عن لبنان وسيادته، وأنهم يستحقون التكريم لا المحاكمة. يتمسك الحزب، بذلك، بروايته لوجهة استخدام المتفجرات، ويرفض نقلها إلى خانة استهداف الدولة. لكنه يواجه في الوقت نفسه واقعًا جديدًا: الادعاء حصل، والمسؤوليات أصبحت موضوع ملاحقة، وإن بقيت دون سقف الإرهاب وا