أعادت الخُطّة الوطنية لحوكمة المخيّمات الفلسطينية في لبنان طرح إشكالية العلاقة بين الدولة اللبنانية والوجود الفلسطيني، بما تنطوي عليه من أبعاد سياسية وأمنية وقانونية واجتماعية. ولا تقتصر هذه الإشكالية على تنظيم إدارة المخيّمات وتحديد الصلاحيات والمسؤوليات، بل تمتدّ إلى طبيعة الشراكة بين الطرفين، وحدود السيادة اللبنانية، والمرجعية الفلسطينية التي يُفترض أن تتولّى إدارة الشأن المجتمعي، فضلاً عن موقع حقوق اللاجئين وخصوصيتهم الوطنية في أيّ تصوّر مقترح. ومن هنا، فإنّ مقاربة الحوكمة لا ينبغي أن تنحصر في إعادة تنظيم المخيّمات، بل تستدعي قراءة نقدية شاملة توازن بين مقتضيات السيادة ومتطلّبات الحقوق والشراكة الوطنية. تتمثّل الإشكالية الأولى في طبيعة المرجعية الفلسطينية التي يُفترض أن تكون شريكًا للدولة اللبنانية. فالاعتراف بالتمثيل الدبلوماسي الفلسطيني الرسمي لا يُلغي الحاجة إلى مرجعية وطنية جامعة تضمّ مختلف الفصائل والقوى السياسية والشخصيات المستقلّة ومؤسّسات المجتمع الفلسطيني. فالتمثيل الرسمي يؤدّي وظيفة دبلوماسية وسياسية، بينما تتطلّب إدارة الشأن الفلسطيني في لبنان إطارًا تشاركيًّا أوسع، يمتلك القدرة على تمثيل التعدّدية الفلسطينية وتحمّل المسؤولية الجماعية في الحوار والتفاهم والتنفيذ. وأيّ تصوّر يتجاوز هذه التعدّدية قد يُضعف شرعية المشروع ويحدّ من فرص نجاحه واستمراريته. وتبرز إشكالية ثانية تتعلّق بالتوازن بين الحقوق والواجبات. فتعزيز سيادة الدولة اللبنانية ينبغي ألّا يقتصر على تنظيم الالتزامات الأمنية والإدارية والقانونية المترتّبة على اللاجئين، بل يجب أن يقترن بضمان حقوقهم المدنية والاجتماعية والاقتصادية. فالاستقرار المستدام لا يتحقّق بالضبط الأمني وحده، وإنّما يتطلّب معالجة الظروف الإنسانية والمعيشية الصعبة، وتحسين فرص العمل والحياة الكريمة، بما ينسجم مع الالتزامات الدولية التي تعهّد بها لبنان في مجال حقوق الإنسان. وفي هذا السياق، تكتسب الخصوصية السياسية والوطنية للمخيّمات أهمية استثنائية. فالمخيّم الفلسطيني ليس مجرّد تجمّع سكاني أو وحدة إدارية وأمنية، بل هو تعبير عن قضية لجوء مستمرّة، وشاهد على التهجير، ومحطّة مؤقّتة مرتبطة بحقّ العودة إلى فلسطين. ولذلك، فإنّ أيّ نموذج للحوكمة ينبغي أن يحافظ على هذه الخصوصية، وألّا يؤدّي إلى اختزال قضية اللاجئين في ملفّ إداري محلّي منفصل عن جذورها السياسية والوطنية. فتمكين اللاجئين من حقوقهم وتحسين ظروف حياتهم لا يتعارضان مع رفض التوطين، بل يعزّزان كرامتهم وصمودهم وهويّتهم الوطنية. كذلك، لا يمكن معالجة الملفّ الأمني، وفي مقدّمته مسألة السلاح، بمعزل عن بقية قضايا الوجود الفلسطيني. فالأمن والحقوق والإدارة والخدمات والتنمية عناصر مترابطة ضمن منظومة واحدة، وأيّ مقاربة تفصل بينها ستظلّ محدودة النتائج. ومن ثمّ، فإنّ معالجة الاختلالات الأمنية تتطلّب، بالتوازي، معالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية التي تؤثّر في استقرار المخيّمات. أمّا وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، فتُشكّل ركنًا أساسيًّا في أيّ تصوّر متكامل للحوكمة، باعتبارها عنوانًا لاستمرار المسؤولية الدولية تجاه اللاجئين الفلسطينيين. ومن الضروري الحفاظ على تفويضها الدولي ودورها الخدماتي، وعدم نقل مسؤولياتها إلى الدولة اللبنانية أو تهميش وظيفتها. ويستدعي ذلك بناء شراكة مؤسّساتية ثلاثية تجمع الدولة اللبنانية والأونروا والمرجعية الفلسطينية الوطنية الجامعة، بما يحقّق التكامل في إدارة الخدمات والبرامج الإنسانية والتنموية. إنّ التحدّي الحقيقي أمام مشروع الحوكمة لا يكمن في إعادة توزيع الصلاحيات فحسب، بل في طبيعة النموذج المؤسّساتي المقترح، ومدى قدرته على تحقيق التوازن بين السيادة اللبنانية والشراكة الفلسطينية. فالمطلوب ليس إقامة سلطة موازية للدولة اللبنانية، ولا اختزال دور الفلسطينيين في تنفيذ القرارات، وإنّما صياغة إطار مؤسّساتي متوازن تكون فيه السيادة للدولة اللبنانية، ويُصان فيه حقّ المجتمع الفلسطيني في إدارة شؤونه عبر مؤسّسات جامعة ومنظّمة، ضمن القانون والتنسيق مع المؤسّسات اللبنانية. وعليه، فإنّ نجاح الحوار اللبناني – الفلسطيني يظلّ مرهونًا بانفتاحه على جميع المكوّنات الفلسطينية، والتعامل مع الخُطّة المطروحة بوصفها أرضية للنقاش والتطوير، لا صيغة نهائية مفروضة. فالغاية ليست فرض تصوّر أحادي، وإنّما بناء تفاهم مشترك يحفظ سيادة لبنان، ويصون الهوية الوطنية الفلسطينية وحقوق اللاجئين، ويؤكّد أنّ تحسين ظروف حياتهم يظلّ مرتبطًا بحقّهم الثابت في العودة.