كفى دورانًا في حلقة التصريحات، والهروب من المسؤولية، والإنكار، والتردّد، والخوف! تتكرّر في الخطاب السياسي والإعلامي مقولة إنّ الجيش اللبناني لم ينفّذ قرارات الحكومة المتعلّقة باستعادة السيادة وحصرية السلاح بيد الدولة. لكنّ هذه المقولة، في تقديري، تتجاهل مسألة أساسية: هل حوّلت السلطة التنفيذية قراراتها السياسية إلى تكليفات قانونية واضحة، تخوّل الجيش تنفيذ المهمات المطلوبة منه؟ فالجيش لا يستطيع أن يستند إلى قرار سياسي عام ليباشر، من تلقاء نفسه، عمليات أمنية وعسكرية واسعة تتطلّب تكليفًا خاصًا أو صلاحيات استثنائية. إنّ استعادة السيادة ليست مسؤولية عسكرية بحتة، بل مسؤولية سياسية ودستورية تقع أولًا على عاتق السلطة التنفيذية، التي عليها تحديد الأهداف وتوفير السند القانوني والصلاحيات والموارد اللازمة لتحقيقها. وهنا يكمن الفرق الجوهري بين اتخاذ القرار السياسي وإصدار المرسوم الذي يكلّف الجيش بتنفيذه. فإعلان حصرية السلاح بيد الدولة لا يحلّ محلّ الإجراءات القانونية المطلوبة لتحديد المهمات والنطاق الجغرافي والمهل والصلاحيات والمسؤوليات وآليات المحاسبة. ولتحويل القرار إلى تنفيذ، يتيح القانون اللبناني مسارين قانونيين مختلفين. المسار الأول هو تكليف الجيش بالمحافظة على الأمن وفق المادة الرابعة من قانون الدفاع الوطني، المرسوم الاشتراعي رقم ١٠٢/١٩٨٣ وتعديلاته، ولا سيّما القانون رقم ٢٢٨/٢٠٢١. وتنصّ هذه المادة صراحةً على أنّ التكليف يتمّ "بمرسوم يتّخذه مجلس الوزراء بناءً على اقتراح وزيرَي الداخلية والدفاع الوطني، ولمدّة محدّدة قابلة للتمديد بالطريقة نفسها." ويُفترض أن يحدّد المرسوم المنطقة الجغرافية والمهمات ومدّة التكليف، وأن يستكمل القرار السياسي بخطة تنفيذية واضحة وأهداف قابلة للقياس. ويُتّخذ المرسوم في مجلس الوزراء وفق المادة ٦٥ من الدستور، ثم يصدر مستوفيًا التواقيع الدستورية اللازمة، ولا سيّما توقيع رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء والوزير أو الوزراء المختصّين، وفق المادتين ٥٤ و٦٤ من الدستور. وفور صدور المرسوم، يتولّى الجيش الصلاحيات التي تمنحها له المادة الرابعة للمحافظة على الأمن وحماية الدولة، وتُوضع القوى المسلّحة العاملة في المنطقة تحت إمرة قائد الجيش، وفق أحكام القانون. كما تجيز المادة لقائد الجيش تفتيش الأبنية والأمكنة بعد موافقة النيابة العامة المختصّة. أمّا المسار الثاني، فهو إعلان المنطقة العسكرية وفق المرسوم الاشتراعي رقم ٥٢/١٩٦٧، وهو إجراء استثنائي مستقلّ يتطلّب توافر الأخطار والشروط القانونية المحدّدة له، وقرارًا من مجلس الوزراء وفق الأصول الدستورية والقانونية، مع خضوع التدبير للرقابة البرلمانية المنصوص عليها في القانون. ويمنح هذا النظام السلطة العسكرية صلاحيات استثنائية، منها إصدار الأوامر بتسليم الأسلحة والذخائر والتفتيش عنها ومصادرتها. والفارق بين المسارين جوهري. فلا يمنح مرسوم تكليف الجيش بالمحافظة على الأمن تلقائيًا جميع صلاحيات المنطقة العسكرية، كما أنّ الانتقال إلى الإجراء الاستثنائي لا يحصل لمجرّد تعثّر تنفيذ التكليف الأول. وهنا أطرح السؤال التالي: إذا كانت الحكومة قد اتخذت قرارها بحصرية السلاح، فأين المرسوم الذي يحدّد للجيش، وفق المادة الرابعة من قانون الدفاع الوطني، منطقة التكليف، ومدّته، ومهماته، وصلاحياته؟ وكيف يُطلب من الجيش تنفيذ مهمات تستوجب هذا المرسوم، ثم يُحاسَب على عدم تنفيذها قبل استكمال الإجراءات القانونية اللازمة؟ نائب رئيس حزب الوطنيين الأحرار الرئيس السابق لأمن الأمم المتحدة في آسيا والمحيط الهادئ