ما زلت أذكر ذلك اليوم كأنّه البارحة. اشترى والدي الراحل، وهو الذي بالكاد أنهى المرحلة المتوسطة، أوّل كمبيوتر دخل بيتنا، وقال لنا: «بالدور، إنتِ وأختِك. ما بدّي خناقة عليه». جلستُ أمامه مأخوذةً به، وفي قلبي شيءٌ من الخوف: كيف لصندوقٍ كهذا أن يكون بهذا الذكاء؟ رحنا، أنا وأختي الكبرى، نتناوب على «ديف» و«تتريس» و«سوليتير». كانت معظم تلك الألعاب تمنحك ثلاث أرواح: تموت، فتخسر، فتعود إلى البداية… لكنّك تتعلّم. ثمّ تطفئ الجهاز وتنزل إلى الدنيا: رملٌ وشجرٌ وشمسٌ، وحياة. مرّت خمسة وعشرون عامًا، أمضيتُ بعضها في قلب صناعة التكنولوجيا في لندن، وها أنا أسأل نفسي: كيف صارت سلسلةٌ من الأصفار والآحاد تحكم العالم؟ حاولتُ مرّةً أن أشرح لجدّتي الشيفرة الثنائية، فسمّت الكمبيوتر «شيطان الأصفار والآحاد». ولعلّها كانت محقّة. كلّ ما تعلّمته طوال هذه السنين صار حِملًا عليّ، وسؤالٌ واحد لا يتركني: كيف أجعله نافعًا لأهلي في لبنان وللناس في العالم العربي، فيما التكنولوجيا تركض اليوم أسرع من أيّ وقتٍ مضى؟ نحن مفتونون بها، وفي قلوبنا شيءٌ من الخوف منها، تمامًا كما كنتُ أمام ذلك الكمبيوتر الأوّل. من هنا وُلدت هذه اليوميات التقنية، وهذه أولها، وستأتيكم كلّ أسبوع. أنتمي إلى جيلٍ عاش على ضفّتَي الشاشة: عرفنا الحياة قبل العالم الرقمي، ثمّ رأيناه يدخل علينا. في كلّ مرّة سأختار تكنولوجيا واحدة، أحكي لكم أين التقيتُها، وأشرحها بأبسط ما أستطيع، فنفكّها معًا عقدةً عقدة، من الشيفرة الثنائية إلى الذكاء الاصطناعي، ومن «الميتافيرس» والعوالم الغامرة إلى الحوسبة الكمّية. الآلات صارت تكتب، أمّا هذه الكلمات فكتبتُها بيدي. طوال سنوات، كان لكلّ آلةٍ عملٌ واحد: «الووكمان» للأشرطة، و«الديسكمان» للأقراص المدمجة، و«البلاكبيري» لرسائل «بي بي إم». وكان لكلٍّ منها نهاية: ينتهي الشريط، وتتوقّف الرسالة النصّية عند الحرف الـ160، أو عند السبعين إن كتبتَ بالعربية، وتخسر روحك الثالثة. لكنّ الحلّ كان دائمًا في متناول اليد: تُرجع الشريط، أو تفتح رسالةً جديدة، أو تضغط الزرّ، فتبدأ من الصفر. كانت للعبة نهاية، ويا لحسن حظّنا. في تلك الأيّام، كنتَ إذا بلغتَ أسفل صفحةٍ على الإنترنت نقرتَ على «الصفحة التالية». وفي العام 2006، خطرت للمصمّم الأميركي آزا راسكن فكرةٌ أبسط: لماذا لا تواصل الصفحة التحميل كلّما نزلتَ؟ هكذا وُلد "التمرير اللانهائي" .(Infinite Scroll)أراد الرجل خيرًا، لكنّه عاد فاعتذر، وهو يقدّر اليوم أنّ اختراعه يهدر ما يعادل 200 ألف عمرٍ بشريّ كلّ يوم، كما نقلت عنه صحيفة "ذا ناشيونال". أجلس اليوم في بيروت والهاتف في يدي، ولا يسرّني أن أعترف كم يطول ذلك. ينزلق إبهامي على الشاشة، مرّةً بعد مرّة، بحثًا عن قاعٍ لا يأتي. لا «انتهت اللعبة» هنا، ولا شيء يقول لي: كفى، انزلي إلى الشمس. ألعاب طفولتي كانت قاسية، تأخذ أرواحك الثلاث وتعيدك إلى البداية، لكنّك تعود وقد تعلّمتَ شيئًا. أمّا سيل المنشورات فلا يهزمك أبدًا، ولا يقول لك يومًا إنّ وقت الرحيل قد حان. وأطفالنا؟ لم يعرفوا يومًا صفحةً لها آخِر. ولهذا السيل ثمن. منذ سنوات، تراقب الباحثة غلوريا مارك، من جامعة كاليفورنيا في إرفاين، كم يصمد المرء أمام شاشةٍ واحدة، مستندٍ أو بريدٍ إلكتروني أو صفحة إنترنت، قبل أن يقفز إلى غيرها. في العام 2004 كانت المدّة نحو دقيقتين ونصف، أمّا اليوم فقد صارت 47 ثانية. لسنا نخسر في هذه اللعبة، بل نتآكل. منذ دخلتُ مرحلة ما قبل انقطاع الطمث وأنا أنسى أكثر ممّا أريد، وفي بعض الأيّام يكون الضباب كثيفًا. أمّا الأصفار والآحاد فلا تنسى شيئًا. الخوارزمية التي تدير هذا السيل تحفظ كلّ ثانيةٍ توقّفنا فيها عند صورة، وتتعلّم منها، ثمّ تعيد إلينا ما يشبهنا، مفصّلًا على مقاس إدماننا، فيما تنزلق ذاكرتنا نحو الهاوية. وقد تزيد المقاطع القصيرة الطين بلّة. ففي العام الماضي، نشرت مجلّة«Psychological Bulletin» مراجعةً جمعت نتائج 70 دراسة شملت أكثر من 98 ألف شخص، وخلصت إلى أنّنا كلّما أفرطنا في المقاطع القصيرة ضعف انتباهنا وتراجعت قدرتنا على كبح أنفسنا . تُرى، ماذا كان سيقول أبي لو رأى ما صار إليه الصندوق الذي حمله يومًا إلى البيت؟ صندوقه جاء بثلاث أرواح، وبابٍ يُفضي إلى الشارع. أمّا الصندوق الذي سلّمناه لأطفالنا فلا ينتهي. يأكل ساعاتهم ساعةً بعد ساعة، وقد دخل حياتهم قبل أن يبلغوا سنًّا تتيح لهم أن يختاروه. بعض الحكومات العربية بدأت أخيرًا تواجه الأمر. ففي حزيران الماضي، صارت الإمارات أوّل دولةٍ عربية تمنع من هم دون الخامسة عشرة من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي . وفي مصر، يعمل البرلمان منذ كانون الثاني على تشريعٍ في هذا الشأن. وهنا في لبنان، تقدّم النائب طوني فرنجية في شباط الماضي باقتراح قانونٍ يُبقي من هم دون الرابعة عشرة خ