ما هي معايير الدستور والطائف لتحقيق لامركزية إدارية في لبنان؟ 31 تشرين الأول 2026 · 12:43 ص قراءة في 7 دقائق حجم الخط ليست اللامركزية الإدارية في لبنان مجرد وسيلة لتسريع المعاملات أو تحسين الخدمات بل هي جزء أساسي من مشروع إعادة بناء الدولة الدستورية ومؤسساتها، فالتحدي الحقيقي لا يكمن في نقل الصلاحيات من بيروت إلى المناطق وإنما في تحديد كيفية توزيع السلطة والمسؤولية والموارد بما يضمن وحدة الدولة والمواطنة المتساوية والإنماء المتوازن والمحاسبة الفعلية. ومن هنا ينبغي ألا يكون السؤال هل نريد اللامركزية أم نرفضها؟ بل أي لامركزية نريد، وما المعايير الدستورية والوطنية التي تجعلها أداة لبناء الدولة لا وسيلة لإعادة إنتاج المحاصصة والامتيازات على مستوى المناطق؟ تبدأ الإجابة من الدستور اللبناني ووثيقة الوفاق الوطني أي اتفاق الطائف، وتكتمل بتحويل مبادئهما إلى مؤسسات وصلاحيات وموارد وآليات تنفيذ ورقابة واضحة. تؤكد مقدمة الدستور أن لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه وجمهورية ديمقراطية برلمانية تقوم على الحريات العامة والعدالة الاجتماعية والمساواة في الحقوق والواجبات، وأن الشعب مصدر السلطات وصاحب السيادة التي يمارسها عبر المؤسسات الدستورية. وهذه المبادئ ليست شعارات منفصلة عن الواقع الإداري بل هي معايير ينبغي أن تحكم تنظيم الدولة وعلاقتها بمواطنيها. فإذا كانت السيادة واحدة والحقوق الدستورية متساوية فإن اللامركزية لا يجوز أن تتحول إلى إنشاء سلطات متنافسة أو مناطق مغلقة سياسياً وطائفياً. لكنها في المقابل لا تقتضي بقاء كل قرار إداري وإنمائي رهينة المركز بصرف النظر عن اختلاف حاجات المناطق وقدراتها. والتمييز هنا أساسي بين مركزية الدولة في السيادة والسياسات الوطنية ولامركزية الإدارة في تدبير الشؤون المحلية والإنمائية. تتولى الدولة المركزية الوظائف السيادية والسياسة الخارجية والدفاع ووضع المعايير الوطنية وضمان الحقوق الأساسية، فيما تتولى السلطات المحلية إدارة الشؤون التي يمكنها معالجتها بكفاءة أكبر ضمن القانون ورقابة المؤسسات المختصة، بهذا المعنى لا تنتقص اللامركزية من الدولة بل تعزز قدرتها على الوصول إلى المواطنين وتحقيق العدالة بين المناطق. نصّت وثيقة الوفاق الوطني على اعتماد اللامركزية الإدارية الموسّعة على مستوى الوحدات الإدارية الصغرى، وربطتها بمراجعة التقسيمات الإدارية وبتعزيز الانصهار الوطني والمحافظة على وحدة الأرض والشعب والمؤسسات، وهذا يوضح أن اللامركزية المقصودة ليست بديلاً من الدولة الموحّدة بل وسيلة لتوسيع المشاركة وتحسين الإدارة وتحقيق الإنماء المتوازن. لكن إعلان المبدأ لا يكفي فاللامركزية تحتاج إلى قانون يحدد الاختصاصات ومجالس أقضيّة منتخبة وموارد مالية مستدامة وإدارات مؤهلة ورقابة مستقلة، ومن دون هذه العناصر قد تبقى الصلاحيات الفعلية في المركز أو تنتقل إلى المناطق من دون ضمانات تمنع احتكارها من القوى السياسية المحلية. إن احترام الطائف لا يتحقق بتكرار نصوصه بل باستكمال الإصلاحات التي تترجم مقاصده إلى مؤسسات فاعلة وتمنع تحويل الإدارة العامة إلى شبكة من الولاءات والوساطات. أخطر ما يمكن أن يواجه اللامركزية هو نقل منطق المحاصصة من السلطة المركزية إلى المجالس المحلية. فإذا بقيت الخدمات والوظائف والمشاريع مرتبطة برضا الزعيم أو نفوذ الجماعة السياسية فلن يتغيّر واقع المواطن بل ستتعدد مراكز الوساطة التي يتحتم عليه اللجوء إليها. لذلك ينبغي أن يكون المعيار الأول هو المواطنة المتساوية، فالمجلس المحلي مؤسسة عامة مسؤولة أمام جميع المواطنين والمقيمين ضمن نطاقها وليس ملكية سياسية لطائفة أو زعامة. ويقتضي ذلك انتخابات تنافسية ونزيهة ومشاركة فعلية في تحديد الأولويات وشفافية في الموازنات والعقود وحقاً في الاطلاع والاعتراض والمحاسبة، كما ينبغي حماية التعددية المحلية ومنع أي أكثرية من إقصاء المكونات الأخرى، فاللامركزية الناجحة لا تحوّل التنوّع إلى حدود فاصلة بل تجعله مورداً للمشاركة والتعاون في ظل قانون واحد وحقوق متساوية. من أبرز أسباب تعثّر الإدارة اللبنانية تداخل الاختصاصات بين الوزارات والمحافظات والقائمقامين والبلديات والمؤسسات العامة. وعندما تتوزع الصلاحيات من دون تحديد المسؤولية يصبح من السهل تبادل الاتهامات عند الفشل بينما تضيع حقوق المواطنين بين الإدارات، لذلك ينبغي أن يحدد قانون اللامركزية بوضوح مسؤوليات ثلاثة مستويات مترابطة، الدولة المركزية ومجالس الأقضيّة والبلديات. تتولى الدولة السياسات الوطنية والوظائف السيادية والمعايير العامة، وتدير المجالس المناطقية المشاريع والخدمات التي تتجاوز قدرة البلدية الواحدة، فيما تركز البلديات على الشؤون المحلية الأقرب إلى الحياة اليومية للسكان. ويمكن تطبيق هذا التوزيع في مجالات التعليم والصحة والنقل والنفايات وال