لبنان بين انشغال واشنطن ومخاطر انفلات التوازنات 31 تشرين الأول 2026 · 12:34 ص قراءة في 3 دقائق حجم الخط يفتح احتمال تراجع الاهتمام الأميركي بلبنان، لو مرحلياً، الباب أمام تحوّلات تتجاوز حدود الحضور الديبلوماسي لواشنطن، لتطال التوازنات الأمنية والسياسية والاقتصادية التي يقوم عليها الواقع اللبناني. فلبنان الذي تتشابك أزماته الداخلية مع الصراعات الإقليمية، يجد نفسه أمام معادلة دقيقة بين مسارات تفاوضية وأمنية تحتاج إلى رعاية دولية، ودولة تسعى إلى استعادة سلطتها، وواقع ميداني لا تزال تتحكم به حسابات تتجاوز قدرتها على التأثير. لا يرتبط هذا الاحتمال بالضرورة بقرار أميركي معلن بالانسحاب من الملف اللبناني، بقدر ما يمكن أن ينتج من إعادة ترتيب الأولويات، سواء بفعل تطورات الشرق الأوسط، أو التصعيد في ساحات أخرى، أو الاستحقاقات الدولية التي تستنزف الاهتمام السياسي والموارد الديبلوماسية. في هذه الحال، لا يكون التغيير في الموقف الأميركي نفسه، بل في مستوى الانخراط، والقدرة على المتابعة، والاستعداد لاستخدام أدوات الضغط لضمان تنفيذ التفاهمات. تتقدم التداعيات الأمنية واجهة المشهد، نظراً إلى ارتباط الاستقرار على الحدود الجنوبية بمسار تفاوضي شديد التعقيد، تتداخل فيه ترتيبات وقف الأعمال العدائية، والانسحاب الإسرائيلي، وانتشار الجيش اللبناني، ومستقبل السلاح، وضمانات منع تجدد المواجهات. سيضعف أي تراجع في الحضور الأميركي آليات معالجة الخلافات، ويترك مساحة أوسع أمام فرض الوقائع الميدانية، سواء من خلال استمرار العمليات الإسرائيلية أو إعادة تشكيل حزب الله حساباته العسكرية والسياسية. يكتسب هذا الاحتمال خطورته من أن غياب الوسيط القادر على ممارسة الضغط على الأطراف لا يؤدي بالضرورة إلى انهيار فوري للتفاهمات، لكنه قد يحوّل الخلافات على تفسيرها وتنفيذها إلى مسار مفتوح على التصعيد. ستتمسّك إسرائيل بمقاربتها الأمنية وبحرية التحرك التي تعتبرها ضرورية لمنع إعادة بناء قدرات حزب الله، فيما قد يرى الحزب في تراجع الاهتمام الدولي فرصة لتعديل قواعد الاشتباك أو إعادة تثبيت معادلات الردع.. بين هذين المسارين، يبقى الجنوب معرضاً لتجدد الاستنزاف، مع ما يحمله ذلك من مخاطر على عودة الأهالي، واستقرار القرى الحدودية، وإعادة تأهيل البنية التحتية. لا تنحصر التداعيات في الميدان.. يتقاطع المسار الأمني مباشرة مع موقع الدولة اللبنانية وقدرتها على ترجمة التزاماتها إلى إجراءات عملية. إذ يشكّل انتشار الجيش وتعزيز قدراته، إلى جانب معالجة مسألة السلاح ضمن إطار وطني، أحد أبرز الاختبارات التي تواجه السلطة. في حال تراجع المظلة السياسية والديبلوماسية الخارجية، ستصبح القرارات المرتبطة ببسط سلطة الدولة أكثر عرضة للتجاذبات الداخلية، في ظل اختلاف المقاربات حول التوقيت والآليات والضمانات. تبرز معضلة مزدوجة. فالتقدم في مسار حصر السلاح بيد الدولة من دون توافق داخلي كافٍ يفتح الباب أمام توترات سياسية وأمنية، فيما يؤدي تأجيل المعالجة إلى تكريس واقع تعدد مراكز القرار، وإضعاف ثقة الخارج بقدرة المؤسسات اللبنانية على تنفيذ تعهداتها. وستجد الحكومة نفسها أمام هامش أضيق للمناورة، بين ضغوط دولية تطالب بنتائج ملموسة، وتوازنات داخلية تحدّ من قدرتها على فرض خياراتها. كذلك، سينعكس تراجع الاهتمام الأميركي على شبكة العلاقات الدولية التي يحتاج إليها لبنان في مرحلة ما بعد الحرب. لا تتّصل إعادة الإعمار بتأمين التمويل وحده، بل بتوافر شروط سياسية وأمنية وإدارية تسمح بتدفق المساعدات والاستثمارات. وأي غموض في مستقبل الجنوب أو في مسار التفاوض مع إسرائيل قد يدفع المانحين إلى التريث، ويزيد صعوبة تعبئة الموارد اللازمة لإعادة بناء المناطق المتضررة. يفتح أي فراغ أميركي محتمل المجال أمام إعادة تحريك الأدوار الإقليمية والدولية. ستسعى قوى مختلفة إلى توسيع نفوذها أو لعب دور الوسيط، فيما يمكن للدول العربية والأوروبية أن تحاول تعزيز حضورها لبنانياً. أما إيران، فسينعكس أي تغير في مستوى الانخراط الأميركي على حساباتها، لكنه لا يمنحها تلقائياً قدرة غير مشروطة على استعادة نفوذها أو إعادة تشكيل المعادلة اللبنانية. فذلك يبقى مرتبطاً بمسار المواجهة الإقليمية، وبوضع حزب الله، وبطبيعة التوازنات الداخلية، فضلاً عن مواقف القوى العربية والدولية المعنية باستقرار لبنان. في المقابل، لا يعني استمرار الاهتمام الأميركي بالضرورة أن لبنان محصّن من الأزمات، كما أن تراجعه لا يجعل الانهيار نتيجة حتمية. يتوقف مدى تأثير أي تحول في الأولويات الأميركية على قدرة المؤسسات اللبنانية على إدارة المرحلة، وعلى مدى تماسك الموقف الداخلي، وعلى استعداد الدول العربية والشركاء الدوليين للمساهمة في منع اتساع الفراغ.