محمية أرز الشوف... ذاكرة لبنان الخضراء فوق الجبل 31 تشرين الأول 2026 · 12:12 ص قراءة في 6 دقائق حجم الخط فاروق غانم خداج* في لبنان، ثمة أشجار لا تنمو في الأرض وحدها، بل تنمو في الذاكرة أيضاً. والأرز واحد منها. فمنذ اقترن اسمه بلبنان، لم يعد شجرة تنتمي إلى الطبيعة فحسب، بل صار علامة من علامات الوطن، وصورة للجبل، وشاهداً صامتاً على أزمنة عبرت وبقي هو واقفاً في وجهها، كأن جذوره تعرف أن في الأرض ما هو أقدر من الزمن على مقاومة العواصف. ومن بين جبال الشوف، حيث تتعانق القرى مع السفوح، وتبقى للمرتفعات هيبتها القديمة، تنهض محمية أرز الشوف الطبيعية، أكبر المحميات الطبيعية في لبنان. غير أن أهميتها لا تختصرها المساحة ولا جمال أشجار الأرز؛ فهي تجربة بيئية وثقافية تتقاطع فيها حماية الطبيعة مع ذاكرة المكان، وحياة المجتمعات المحلية مع أسئلة المستقبل. تمتد المحمية في جبال الشوف، وتضم ثلاثاً من أبرز غابات الأرز: أرز معاصر الشوف، وأرز الباروك، وأرز عين زحلتا – بمهريه. وتتدرج المنطقة بين المرتفعات العالية والمنحدرات التي تحفظ الغابات في مواقعها، فيما تمثل منطقة نيحا الحد الجنوبي الطبيعي لانتشار الأرز اللبناني. ولا ينبغي الخلط بين المحمية الطبيعية، ذات الحدود القانونية الخاصة، ومحمية الشوف للمحيط الحيوي، وهي نطاق أوسع يضمّها إلى جانب مناطق طبيعية ومجتمعات محلية وقرى مجاورة. ولم يكن الوصول إلى هذه الصورة سهلاً. فقد عرفت الغابات اللبنانية قطع الأشجار واستخدامها للحطب والفحم والأخشاب، كما تعرضت لضغوط الرعي والتوسّع البشري. ومع الزمن انكمشت مساحات الغطاء الحرجي، وبقيت غابات الأرز، على وجه الخصوص، في المواقع المرتفعة والمنحدرة والأصعب وصولاً. لذلك لم تكن ولادة المحمية مجرد إعلان عن مكان جميل، بل كانت اعترافاً بأن ما تبقّى من هذه الثروة يحتاج إلى حماية قانونية وعلمية ومجتمعية. وفي تموز 1996 أُنشئت محمية أرز الشوف الطبيعية بموجب القانون رقم 532، لتدخل غاباتها مرحلة جديدة من الحماية والإدارة. وتخضع المحمية لإشراف وزارة البيئة اللبنانية، وتتولى جمعية أرز الشوف إدارتها بالتعاون مع لجنة المناطق المحمية المعيّنة، وبمشاركة البلديات والخبراء والمؤسسات المحلية. وبذلك أصبحت حماية الغابة مسؤولية تتقاطع فيها المعرفة العلمية مع خبرة أبناء المكان، ولا تنفصل فيها الإدارة عن المجتمع المحيط بالمحمية. غير أن الأرز لا يعيش وحده. فالغابة منظومة متكاملة، وكل شجرة فيها تفتح باباً إلى عالم من النباتات والحيوانات والطيور. وتشير بيانات اليونسكو إلى وجود نحو 520 نوعاً نباتياً، بينها أنواع مهدّدة وأخرى مستوطنة، فضلاً عن نباتات طبية ذات قيمة بيئية واقتصادية، فيما تسجل المنطقة أكثر من 250 نوعاً من الطيور، وتشكّل نقطة مهمة على مسارات الهجرة بين أوروبا وأفريقيا وغرب آسيا. فما يبدو للعين غابة من الأشجار هو في الحقيقة شبكة دقيقة من الحياة؛ طيور تعبرها في مواسم الهجرة، وحيوانات تجد فيها ملاذاً، ونباتات قد لا ننتبه إلى قيمتها إلّا عندما يصبح بقاؤها مهدّداً. ولعلّ الأهم أن تجربة الشوف لم تتوقف عند حماية الموجود، بل اتجهت أيضاً إلى استعادة ما فُقد. ففي عام 2017 أُعيد إدخال الوعل النوبي إلى المنطقة، بعد أن كان قد اختفى من لبنان في بداية القرن العشرين. ونُقلت مجموعة تأسيسية من 12 وعلاً من محمية وادي رم في الأردن إلى منطقة تأقلم مسيّجة في الجزء الشرقي من محمية الشوف للمحيط الحيوي، ضمن برنامج يقوم على المراقبة والتكاثر والإدارة العلمية للموائل. وفي عام 2005 اكتسبت التجربة بُعداً دولياً، عندما أُدرجت المنطقة ضمن شبكة محميات المحيط الحيوي التابعة لليونسكو في إطار برنامج الإنسان والمحيط الحيوي. ويغطي هذا الإطار الأوسع نحو 49,600 هكتار، أي قرابة خمسة في المئة من مساحة لبنان، جامعاً بين الحماية البيئية والمجتمعات المحلية ومسارات التنمية المستدامة. وهذا التوجه يعكس فلسفة تتجاوز فكرة وضع حدود حول الغابة ثم إبعاد الإنسان عنها. فمحمية المحيط الحيوي تقوم على علاقة أكثر توازناً بين الطبيعة والمجتمع: حماية الموارد من جهة، وإتاحة المجال للتنمية المحلية والسياحة البيئية والتعليم من جهة أخرى. في الشوف، تصبح المدرجات الزراعية جزءاً من هذا التوازن. فالجدران الحجرية القديمة ليست مجرد أثر من الماضي، بل تؤدي دوراً في حفظ المياه وحماية التربة وتوفير موائل للكائنات الحيّة. ولذلك تعمل برامج المحمية مع المزارعين ومالكي الأراضي والبلديات على استعادة بعض هذه المدرجات، وتشجيع الزراعة المستدامة، وربط الإنتاج المحلي بالسياحة الزراعية والأسواق. وتأخذ هذه العلاقة شكلاً أكثر وضوحاً في المنتجات الريفية والحرف والأغذية التقليدية والخدمات السياحية والبيئية التي تنتجها المجتمعات المحيطة. وتشير وثائق وبرامج تنموية مرت