من الواضح أن مساحات المناورة تتضاءل أمام لبنان الرسمي الذي يجد نفسه محاصراً بين السيناريوهات الإسرائيلية المتفجرة والمأزق الداخلي. فمع تكشّف المعطيات عن احتمال تعثر حسم شكل الحكومة في إسرائيل، عقب الانتخابات، وإمكان دخول تل أبيب في أزمة حكم ممتدة، تتضاعف المخاوف في بيروت من لجوء بنيامين نتنياهو، وهو في موقع رئيس حكومة تصريف الأعمال، إلى تصعيد ميداني أشد شراسة على جبهات لبنان وسوريا وغزة والضفة، لإغلاق الباب أمام إسقاطه والفرار إلى الأمام سعياً إلى رفع أسهمه الانتخابية مجدداً. وفيما تُطبِق تهديدات إسرائيل على الجنوب، عبر الغارات والتفجيرات الميدانية المستمرة، تشتعل في بيروت معركة الخيارات حول سلاح حزب الله والترتيبات الأمنية لما بعد انتهاء ولاية "اليونيفيل". فالتباينات السياسية تنذر بالتحول إلى شلل تنفيذي يُهدد التماسك الحكومي المعلق. كما تُلقي تداعيات شحنة ضهر البيدر بظلالها على جلسات الحكومة، مع اتجاهات لمقاطعة جلسات مجلس الوزراء اعتراضاً على التلكؤ في إحالة الملف إلى المجلس العدلي. وبينما يتمسك وزير العدل عادل نصّار بالإحالة بانتظار ما تخلُص إليه التحقيقات، يسعى الجميع إلى تجنب انفجار المكونات الحكومية. وفي المقلب الآخر، تتكرس المراوحة في ملف السلاح في ظل الموقف الصريح للأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، الذي جزم مجدداً بأن "لا محل للنقاش حول سحب السلاح ما دام الاحتلال مستمراً"، مراهناً على الشراكة مع طهران. وفي المقابل، أعلن رئيس الجمهورية جوزاف عون أن "لا رجوع" عن القرارات الحكومية المتعلقة بحصرية السلاح وإمساك الدولة بقراري الحرب والسلم. ويواجه لبنان الرسمي مأزقاً استراتيجياً مع اقتراب انقضاء ولاية اليونيفيل. وهو ما حذّر منه أمس، رئيس مجلس النواب نبيه بري، لناحية "خطورة إنهاء مهمة قوات الطوارئ الدولية العاملة في جنوب لبنان قبل تطبيق القرار1701 كاملاً وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي كلياً"، كما عبّر أمام زواره. وإذ تسعى بيروت إلى تأمين موافقة تسمح بقاء القوات الدولية خلال سنة الانسحاب من الجنوب للقيام بمهام ميدانية، تصطدم هذه المساعي بمعارضة أميركية قاطعة لأي وجود أممي مستقبلي جنوباً، في مقابل تريث أوروبي بانتظار بلورة آلية عمل جديدة. ويأتي هذا الانسداد ليعيد فتح نقاشات حول صيغ استثنائية، من بينها أفكار نوقشت أمس مع وزيرة التعاون الألمانية والجانب الأوروبي، ريم العبلي-رادوفان، بما فيها محاولات الاستفادة من نماذج تاريخية كـَ "الحل الإيرلندي" لنزع السلاح والتفكيك المتبادل. وتزداد خطورة المشهد مع استمرار إسرائيل في تثبيت أمر واقع ميداني في الجنوب، وتخللته مشاركة جنود إسرائيليين لأول مرة في انتخابات الكنيست من داخل الأراضي اللبنانية المحتلة. وهذا الاستغلال الإسرائيلي يتغذى بشكل مباشر على المأزق اللبناني الداخلي، إذ إن ظهور الدولة بمظهر العاجز عن حسم ملف السلاح والتهريب يمنح تل أبيب الذريعة المفتوحة أمام واشنطن والعالم للاستمرار في قضم الشريط الحدود والتوسع نحو نهر الأولي. وفي المقابل، فإن المراهنة على مساندة إقليمية أو على اتصالات أميركية-إيرانية لن تعوض لبنان عن غياب الموقف الموحد، لا سيما وأن واشنطن، عبر خزينتها ومسؤوليها، تؤكد تضييق الخناق المالي على شبكات تمويل حزب الله، رابطة أي دعم لإعادة الإعمار بمدى التقدم الملموس في بسط سيادة الجيش وحده. وفي قصر بعبدا أمس، رأس رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون اجتماعاً حضره قائد الجيش العماد رودولف هيكل ورئيس الوفد المفاوض السفير السابق سيمون كرم، واطّلع خلاله من رئيس وأعضاء الوفد العسكري اللبناني على نتائج الاجتماعات التي عُقدت في تامبا مع الوفدين الأميركي والإسرائيلي يومَي 20 و21 تشرين الأول الجاري. وعلمت "المدن" أن الوفد عرض الصعوبات التي منعت التقدم، التي تتمثل بعدم تجاوب إسرائيل مع مطلب لبنان وقف الاعتداءات وتطبيق المناطق النموذجية. وفي المقابل، رفض الوفد العسكري شروط إسرائيل المتعلقة بالتنسيق، وهو ما أبقى الوضع على حاله. وانتهت الجلسة من دون تحديد موعد للقاء مقبل، فيما لا يزال لبنان متمسكاً بالمسار الدبلوماسي. ومجدداً، أكد لبنان تمسكه بالحلول الدبلوماسية والتفاوضية ودعم الجيش، وهو ما عبّر عنه عون خلال استقباله وزيرة التعاون الاقتصادي والتنمية الاتحادية في ألمانيا ريم ألابالي رادوفان. بينما حذّر بري خلال استقباله الوزيرة الألمانية من خطورة إنهاء مهمة اليونيفيل قبل التطبيق الكامل للقرار 1701 وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي كليًا، في ظلّ التدمير الممنهج الذي تتعرّض له المناطق اللبنانية. بدوره شكر رئيس الحكومة نواف سلام ألمانيا على دعمها المتواصل للبنان، مؤكداً أهمية مواصلة هذا الدعم، ولا سيما في ما يتعلق بمساندة جهود التعافي وإعادة الإعمار في الجنوب، ومساعدة الأهالي على العودة