تعيش إسرائيل أزمة سياسية أفرزتها الانتخابات الأخيرة. وسواء كان الاتجاه نحو تشكيل حكومة أقلية أو وحدة، فإن عنوان المرحلة المقبلة هو التنازلات وتقديم التضحيات. ذلك أن كل الأطراف تغرق في حسابات خاصة بعدما فشل أي معسكر بتحقيق غالبية الـ61 مقعداً التي تؤهله للحكم منفرداً. تؤكد الأرقام تعقيد المشهد إلى درجة حوّلت كل كتلة مهما كانت صغيرة إلى لاعب فيتو قادر على إسقاط أي تشكيلة. كما فعل أفيغدور ليبرمان الذي أقفل الباب أمام حكومة أقلية مدعومة من العرب عندما أعلن: "لن نجلس مع بيبي ولا مع الطيبي"، قاصداً رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ورئيس القائمة المشتركة أحمد الطيبي. مع خروج ليبرمان (7 مقاعد) بات لدى معسكر آيزنكوت 41 مقعداً فقط، وهي غير كافية لتشكيل حكومة أقلية حتى لو دعمها العرب (19 مقعداً)، لأن المجموع حينها سيكون 60 مقعداً، أي على بعد مقعد واحد من الحكم. أما نتنياهو (53 مقعداً) فهو أيضاً غير قادر على التشكيل منفرداً من دون استقطاب حلفاء جدد من معسكر آيزنكوت أو بالاعتماد على العرب من الخارج، وهذا يفرض عليه ثمناً باهظاً. وفي الوقت نفسه، يجد آيزنكوت نفسه في موقع لا يُحسد عليه. فهو محاط بكتلة يمين وسط تضم نفتالي بينيت ويائير لابيد، وفي الجهة الأخرى يائير غولان الذي حصل على 8 مقاعد. وهذا ما يجعل مهمته صعبة حتى مع العرب. واستناداً إلى ما سبق، فإن كلاً من نتنياهو وآيزنكوت يحتاج لأحزاب من خارج معسكره. ومن هنا بدأت رحلة البحث عن حكومة وحدة وهي التي تريدها واشنطن أكثر من تل أبيب، بدليل التسريبات العبرية والغربية التي قالت إن الرئيس دونالد ترامب يدفع في هذا الاتجاه شريطة استبعاد الوزيرين إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، وهذه أول خسارة لنتنياهو إذا فكر بالوحدة. لا شك أن هذه الحكومة تحتاج للأحزاب المتبقية، وهنا يبرز دور ليبرمان وبينيت كحزبين سيطالبان بثمن باهظ قد يكون وزارة الدفاع لليبرمان وتناوب لبينيت. كذلك فإن حكومة كهذه ستربك حسابات نتنياهو وآيزنكوت، فطريقها ليست معبدة، إذ إن العلاقة المضطربة بين الرجلين ستلعب دوراً معرقلاً، فكل واحد منهما يرى نفسه الأحق بالقيادة، مما سيؤدي إلى خلاف حول من يأتي أولاً. وإذا تم تجاوز خلاف الرئاسة بتدخل ترامب، فإن نتنياهو سيخسر تحالفه التاريخي مع الحريديم واليمين المتطرف القائم منذ 2009. وهو تحالف بدأ يتصدع مع حزب شاس الذي خسر نصف مقاعده من 11 إلى 6، وهو الحزب الحريدي المزراحي الأكثر براغماتية، وقد وجد رئيسه أرييه درعي نفسه في موقع الساعي إلى إنقاذ حزبه. وتعزز التصدع بالعرض الذي قدمه حزب "يهدوت هتوراه" بشأن حكومة الأقلية، والذي كشفته "القناة 12" قبل أن ينفيه رئيس الحزب يعقوب آشر لاحقاً. وفي حال تخلص نتنياهو وآيزنكوت من عقدة الرئاسة، ستبرز معضلة بينيت الذي خاض الانتخابات كاستفتاء على نتنياهو رافعاً شعار "لن أجلس معه"، لذلك فإن ذهابه الآن إلى حكومة برئاسته يعني خسارته لرصيده كزعيم لمعسكر التغيير. ومن ناحية آيزنكوت فإن ما حصل عليه هو حصيلة من صوتوا ضد نتنياهو لا معه. وهذا سيؤثر في حساباته، فتجربة بيني غانتس في حكومة وحدة مع نتنياهو عام 2020 ماثلة أمامه. غانتس دخل تلك الحكومة بـ33 مقعداً وخرج من الانتخابات التالية بـ8 فقط. وعليه فإن جلوس آيزنكوت اليوم مع نتنياهو هو خطر وجودي قد يدفع به إلى الخلف لمصلحة بينيت وليبرمان وغولان. والأمر ذاته ينسحب على يائير لابيد زعيم حزب "هناك مستقبل". فرغم أنه الأقرب لآيزنكوت عقائدياً كحزب وسط علماني، فإن دخوله حكومة وحدة برئاسة نتنياهو يعني تكرار ما جرى مع غانتس. فهو بنى حملته كلها على "فقط ليس بيبي"، وإذا جلس معه سيخسر كل ناخب علماني لصالح ليبرمان وبينيت. لذلك سيطالب بثمن مستحيل كتناوب فوري أو استبعاد الحريديم، وهذا ما يجعله لاعب فيتو لا لاعب وحدة. أما غولان اليساري الرافض لطروحات اليمين، فهو لن ينضم لنتنياهو بل فتح خطاً مع العرب، وبالتالي لم يعد خارج المعادلة بل أصبح يفرض شروط اليسار على آيزنكوت. وإذا كان باب حكومة الأقلية قد أقفل حتى اليوم بليبرمان، إلا أن حكومة الوحدة لن تكون أقل كلفة. نتنياهو سيخسر حلفاءه التاريخيين، وآيزنكوت قد يلقى مصير غانتس، وبينيت سيخسر شعار "لن أجلس مع بيبي". وهذا ما يدفع الجميع للتفكير ملياً قبل الاختيار بين الانتحار السياسي تلبية لرغبة أميركية، أو انتخابات أخرى تنتهي بلا غالبية، ليصبح السؤال: هل تدخل إسرائيل مرحلة انهيار التحالفات وذوبان المعسكرات بعدما أصبحت الأقلية هي من تحدد شكل حكومة الأكثرية؟