ذات يوم منذ عام.. رحل إسكندر حبش، كورقة خريف تذوي على أرض تهزها الريح فترحل، عمرٌ يغيب دون آخر يجيء، إسكندر، كما لو أنّه هنا وهناك. سيّان بين عالمين، عالمٌ يجيء وعالمٌ يرحل. في غياب عميق يحفر في سطور أيامي، أتذكر وأستحضر وأعيش مع إسكندر.. لم يكن زوجي يوماً، كان رفيقي و"حبيبي"، هكذا ينعت المحبون أحبّاءهم. ثلاثمئة وستون يوماً.. قبل أن يلفظ صوته الأخير، لا تغيب عن الذاكرة ساعة الغياب. أنفاسٌ تصعد بهدوء ورجلٌ ينتظر امرأته كي تحتضن رحيله، أمسك بيده فتنهار كل جدراني التي بنيتها على مدار سنتين من مرض "السيد س" كما أسماه إسكندر. في العمق، إسكندر حبش لم يكن زوجاً وحبيباً فقط، كان معلماً.. فنون الحياة ووجعها وفرحها وتقلباتها، كلُّها دروسي، ومما تعلمت منه. في العمق، إسكندر حبش ذو الخمسة والستين عاماً كان يختصر طفولة لا تزيد على عشر سنوات، نزق لا يشبه نزق الآخرين، لهوٌ لعبٌ وجنون، كأس تترع بحب الحياة. في العمق، كان إسكندر ذاكرة المدينة بكل ما فيها من حروب وذكريات وانهزامات وخسائر، ظلّ كما عرفه الجميع: موقف واحد من كل ما يراه "قضية". يكتب إسكندر في إحدى يومياته إلى أقاصي الموت: حين ولدنا كنّا أطفال أمهاتنا، الآن ونحن على مشارف الغياب نصبح أولاد زوجاتنا اللواتي يهتممن بنا.. اليوم، أشعر بسعادة غامرة، فيما لو تمكنت من الانتقال من غرفة إلى أخرى، من غرف جسدي التي تقفل خلفها الأبواب. ثمة غرفة لا تزال مفتوحة أمامي: غرفة الطفولة. يا ليتني بقيت فيها ولم أغادرها... قد تلتبس الأزمنة عليّ في وقت ما، أهو زمن إسكندر أم زمني مع إسكندر؟ في العمق، أسئلة بلا إجابة أطرحها على رحيله وعليّ، الإجابات هي احتمال برق أو رعد أو مطر، لا احتمال لصيف في الغياب.. غياب يحفر في وجهي وجسدي كقطرة ماء تنسلُّ بخجل من عيني. تتكرر الأزمنة في غيابك، خيط من صوت يغزل أيامي، زمن جديد أنسجه كل صباح في عالم آخر أنت فيه. تقول فيروز: "صباح ومسا شي ما بينتسى، أخدت الحب وتركت الأسى".. في العمق، كل الأسى في قلبي على غيابك، لكن للحب ممرات في قلبي تزهر حين أنتقل إلى عالم آخر.. عالم أصنعه بنفسي ولنفسي، أنت فيه بالطبع.هناك أبقى حيث الموسيقى تنسج صباحات وليالٍ أنت فيها، لا تغادرها.