في ظل تسارع التطورات السياسية والأمنية في المنطقة، وتداخل الحسابات الإقليمية والدولية، تتزايد المخاوف من انعكاس مسارات التصعيد والتفاوض على الواقع اللبناني، وسط انقسام داخلي حاد وغموض يحيط بمستقبل المرحلة المقبلة. رأى الكاتب والمحلل السياسي سركيس أبو زيد أن لبنان لا يزال في مرحلة الانتظار والترقّب، في ظل الغموض الذي يحيط بنتائج الانتخابات الإسرائيلية وانعكاساتها المحتملة على المنطقة، مشيراً إلى أن المشهد لا يزال مفتوحاً على احتمالات متعددة، في ظل تداخل العوامل الإقليمية والدولية، ولا سيما الموقف الأميركي ومسار العلاقات بين واشنطن وطهران. وفي حديث إلى "ليبانون ديبايت"، اعتبر أبو زيد أن نتائج الانتخابات الإسرائيلية لا تزال موضع قراءات متناقضة، إذ يرى بعض الأطراف اللبنانية أنها قد تؤدي إلى إضعاف نفوذ حزب الله وتعزيز موقع لبنان في المرحلة المقبلة، فيما يعتقد آخرون أنها قد تتيح للحزب استعادة دوره وموقعه، ولكن برأيه أن هذه التقديرات تبقى مرتبطة بالتطورات الخارجية، التي لم تتضح اتجاهاتها النهائية بعد. ولفت إلى أن المواقف الداخلية اللبنانية تتأثر إلى حد كبير بما يجري في الإقليم، معتبراً أن طلب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم يعكس تمسك الحزب بالثوابت التي يتبناها، من دون الأخذ الكافي في الاعتبار، بحسب تقديره، المتغيرات الإقليمية المتسارعة، وأكد أن مستقبل حزب الله والدولة اللبنانية ومختلف المكونات السياسية والاجتماعية يبقى مرتبطاً بمآلات هذه التحولات. الانتخابات الأميركية والمفاوضات مع إيران وفي ما يتعلق بالانتخابات الأميركية، رأى أبو زيد أن تأثيرها لا يقتصر على نتائجها فحسب، بل يشمل أيضاً طبيعة التحولات السياسية داخل الولايات المتحدة وانعكاساتها على سياستها الخارجية، معتبراً أن حالة التناقض والاضطراب على المستوى الدولي تزيد من صعوبة استشراف المرحلة المقبلة. وعن احتمال اندلاع حرب واسعة تشمل إيران ولبنان، أشار إلى أن هذا الاحتمال لا يمكن استبعاده في ظل تراكم المتغيرات، لكنه لفت في المقابل إلى أن الحرب لا تؤدي بالضرورة إلى حل الأزمات، بل قد تزيدها تعقيداً. وأوضح أن مساري التصعيد والتفاوض يسيران بالتوازي، في ظل وجود وساطات واتصالات بين إيران وعدد من الدول، ما يبقي احتمالات الحرب والتوصل إلى تسوية قائمة في الوقت نفسه، وشدد على أنه من المبكر الجزم بالاتجاه الذي ستسلكه الأحداث، في ظل استمرار الغموض حيال المواقف الأميركية والإسرائيلية. وعلى المستوى الداخلي، أعرب أبو زيد عن عدم ارتياحه إلى الوضع اللبناني، معتبراً أن الانقسام الحاد بين المعسكرات السياسية يتعارض مع طبيعة النظام اللبناني القائم على التنوع والتعددية والديمقراطية التوافقية. وقال إن غياب التفاهم الداخلي والإرادة الوطنية الجامعة يحدّ من قدرة لبنان على الاستفادة من التحولات الإقليمية، سواء اتجهت المنطقة نحو الحرب أو نحو التسوية، مشيراً إلى أن كل فريق ينتظر ما ستؤول إليه أوضاع الفريق الآخر بدلاً من البحث عن أرضية مشتركة. وأكد أن التركيبة اللبنانية لا تسمح لأي طرف بالاعتقاد أن خسارة خصمه تعني انتصاره، مشدداً على أن مصير اللبنانيين مترابط، وأن حماية البلاد تتطلب التفاهم والتنازلات المتبادلة وبناء وحدة وطنية حقيقية. وحذّر من أن استمرار الانقسام قد يؤدي إلى تراجع الاهتمام بلبنان ومصالحه، بما يفتح المجال أمام تسويات إقليمية ودولية تُوزَّع فيها المكاسب على حسابه، ويكون فيها جائزة ترضية لأي طرف إقليمي، داعياً اللبنانيين إلى إعطاء الأولوية لمصلحة بلدهم قبل أن تصبح التطورات الخارجية العامل الحاسم في تحديد مستقبله. أبو زيد يحذّر من مواجهة الجيش وحزب الله وفي تعليقه على الدعوات إلى حصول مواجهة بين الجيش اللبناني وحزب الله، ولا سيما التصريح المنسوب إلى النائب أديب عبد المسيح بشأن تمنّيه حصول مواجهة بين الطرفين، استبعد أبو زيد أن يشكّل هذا الخيار مخرجاً للأزمة، محذراً من أن تداعيات أي صدام داخلي ستكون مدمرة للجميع. وأوضح أن قوة الدولة ومؤسساتها تبقى أساساً في بناء الاستقرار، إلا أن خصوصية التركيبة اللبنانية والتوازنات القائمة تجعل اللجوء إلى الحسم العسكري الداخلي خياراً بالغ الخطورة، خصوصاً أن نتائجه قد تتجاوز أطراف المواجهة لتطال المجتمع اللبناني بأكمله. ولفت إلى أن التجربة اللبنانية خلال الحرب الأهلية أظهرت حجم التداعيات التي يمكن أن تترتب على انقسام المؤسسة العسكرية، محذراً من افتراض أن الجيش سيبقى بمنأى عن الانعكاسات الداخلية في حال اندلاع مواجهة من هذا النوع. وختم أبو زيد بالتشديد على ضرورة تغليب الحوار والتفاهم والبحث عن حلول تنقذ لبنان من الانزلاق إلى صراعات جديدة، مؤكداً أن البلاد لا يمكن أن تستقر بمنطق الغلبة أو الهزيمة، بل بالتوافق والشراكة، انطلاقاً من القاعدة التي