في قراءة تحذيرية للمشهد الإسرائيلي بعد الانتخابات، ترى الدكتورة تهيلة شوارتس ألتشولر أن الخطر الحقيقي في التدخل الخارجي لا يقتصر على شراء أصوات أو تغيير بطاقات اقتراع، بل قد يتحقق بمجرد تعميق الانقسام الداخلي، وضرب الثقة بالمؤسسات، وتحويل الخلاف السياسي إلى أزمة شرعية تطال العملية الديمقراطية نفسها. وبحسب مقال تحليلي للدكتورة تهيلة شوارتس ألتشولر في "القناة 12" الإسرائيلية، فإن التأثير الأجنبي على الانتخابات ظاهرة حقيقية وخطيرة، لكن فهم ما يحدث في إسرائيل اليوم يتطلب الفصل بين "التأثير الأجنبي" و"التدخل الأجنبي غير القانوني" و"الرشوة الانتخابية" و"محاولة الطعن في نتائج الانتخابات"، لأن هذه المفاهيم لا تعني الشيء نفسه. وتوضح أنه عندما تنشئ دولة أجنبية شبكة من الحسابات الوهمية، وتنتحل صفة مواطنين محليين، وتنشر رسائل سياسية عبر تلاعب خوارزمي، فإن ذلك يُعد تدخلًا أجنبيًا سريًا. أما عندما يعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب علنًا من يؤيد في الانتخابات الإسرائيلية، فإن ذلك يُعد تأثيرًا أجنبيًا علنيًا. لكن عندما تُنقل أموال أجنبية بصورة غير قانونية بهدف رشوة ناخبين، فإن الأمر يتحول إلى شبهة ارتكاب جريمة خطيرة. وبحسب ألتشولر، يظهر هذا التمييز أيضًا في التقرير الخاص الذي أصدره مراقب الدولة في تموز 2026. ويصف التقرير طيفًا يبدأ من الدبلوماسية والنشاط الثقافي وجماعات الضغط المشروعة، وينتهي بالأنشطة السرية والتخريبية الهادفة إلى الإضرار بسيادة الدولة. وترى أن أكثر ما يثير القلق في تقرير مراقب الدولة هو أن إسرائيل غير مستعدة بما يكفي للتعامل مع هذا التهديد، تحديدًا في اللحظة التي يحتاج فيها الجمهور إلى معلومات رسمية وشفافة وموثوقة. وتضيف أن عمليات التأثير الأجنبي لا تهدف دائمًا إلى إيصال مرشح بعينه إلى السلطة. وتشير إلى أن جهاز العمل الخارجي للاتحاد الأوروبي، الذي نشر في آذار 2026 تقريره السنوي عن "التلاعب والتدخل الأجنبي في المعلومات" FIMI، أكد أن أحد الأهداف الأساسية لمثل هذه العمليات هو تأجيج الاستقطاب وتعميق الانقسامات داخل المجتمعات الديمقراطية. وبعبارة أخرى، يمكن لجهة أجنبية أن تحقق هدفها من دون أن تغيّر قرار ناخب واحد. فبحسب الكاتبة، يكفي أن تنجح في زيادة العداء بين المجموعات، وضرب الثقة بالمؤسسات، وتحويل الخلاف السياسي إلى أزمة شرعية. وتشير إلى أن أجهزة الأمن الإسرائيلية تدرك بدورها أن الجهات الأمنية الإيرانية رأت في الانقسام الداخلي الإسرائيلي فرصة استراتيجية. وتقول إن جهات إيرانية شغلت حسابات انتحلت صفة أطراف من جانبي الانقسام السياسي، ونشرت رسائل متناقضة وحاولت تأجيج الاحتجاجات والتوترات. وبرأيها، لم يكن ضروريًا بالنسبة إلى تلك الجهات أن يفوز معسكر سياسي محدد، إذ إن تعميق الانقسام بحد ذاته يُعد إنجازًا. ولهذا، ترى أن السؤال لا يجب أن يكون فقط "من دفع المال لمن؟"، بل أيضًا كيف تتحول الشبهات المتعلقة بالتدخل الأجنبي نفسها إلى أداة في الصراع السياسي الداخلي. وتستعيد ألتشولر مثالًا من حزيران 2023، حين نُشر أن الوزير إيتمار بن غفير عرض خلال جلسة حكومية صورًا لتهديدات ضد عناصر شرطة. وتبيّن لاحقًا، وفق المقال، أن مصدر المنشورات كان من خارج إسرائيل، وأن جهات أمنية نسبتها إلى عملية تأثير أجنبية. وفي أيلول 2024، نُشر أن بن غفير والوزير دودي أمسالم استندا إلى منشورات على شبكات التواصل للقول بوجود تهديد باغتيال نتنياهو، فيما أوضح "الشاباك" أن الحديث كان عن نشاط إيراني. وتصف ألتشولر هذه الحالات بأنها أمثلة على "تواطؤ افتراضي"، أي تعاون يحدث من دون تنسيق مباشر. فلا يحتاج سياسي إسرائيلي إلى التحدث مع مشغّل إيراني أو قطري كي تتحقق الفائدة. ويكفي، بحسبها، أن يعيد سياسيون أو وسائل إعلام نشر رسالة أنشأها طرف أجنبي لأنها تخدم أهدافهم. وتقول إن "الطرف الأجنبي يوفّر مادة الاشتعال، بينما يمنحها اللاعب المحلي الشرعية والانتشار والقوة". وتشدد الكاتبة على أن الشبهات التي ظهرت في الأيام الأخيرة تستوجب تحقيقًا جديًا. فإذا ثبت أن جهات قطرية أو غيرها نقلت أموالًا بصورة مخالفة للقانون بهدف التأثير في الانتخابات، فيجب كشف ذلك. لكنها تؤكد أن فتح تحقيق جنائي لا يساوي إثبات أن الانتخابات قد "سُرقت". وكان رئيس لجنة الانتخابات المركزية، القاضي نوعام سولبرغ، قد طلب من "الشاباك" التحقيق في شبهات تتعلق بتمويل أجنبي ورشوة انتخابية. وفي المقابل، أوضحت لجنة الانتخابات أنه وفق ما لديها من معلومات، لا يوجد أساس للادعاءات المتعلقة بحدوث مسّ ممنهج بنزاهة الانتخابات. كما أبدت جهات إنفاذ القانون تحفظًا على بعض التوصيفات الدراماتيكية لحجم القضية. وتشير ألتشولر إلى أنه، حتى الآن، لم تُعرض أمام الجمهور بنية أدلة تثبت أن مبالغ ضخمة غيرت نتائج الانتخابات.