القصص تقارب مشكلات وجودية لدى البشرية، بغض النظر عن لغتها ومكان عيشها، ويمكن لأي فرد مواجهتها كونها أحاسيس ومعضلات ضمن أي مجتمع، وضمن علاقات البشر بين بعضهم البعض، وهذا ما يضيف نكهة خاصة للرؤية القصصية. تجريد القصص من المكان يعتبر سمة تميز المجموعة، وكذلك أسماء الشخصيات. وهذا ما يوفر للقارئ فرصة رؤية الذات، والتواصل مع الثيمة المطروقة. كون القصص تعتمد على البعد الذاتي المستبطن فكراً ومشاعر، أو عبر تفاعل الشخصيات فيما بينها. عدا ذلك، يمكن ملاحظة أن الكاتب ينظر بزوايا طريفة لشخصياته، وهذا ما خلق حيوية في الحكايات والقصص التي قرأناها. فكانت القصة الأولى حول العزلة، حين يرحل البطل ليعتزل في كوخ، بعيداً عن الناس. إلا أنه لم يصمد سوى يومين، وكأن التواصل مع الآخرين تكوين وجودي لدى الفرد عموماً. ثم قصة حول الغيرة، والوفاء، والذكريات بين زوج متوفى وزوجته، أو اللقاء صدفة مع أشخاص لأول مرة، وما يتركه ذلك اللقاء في الأرواح المغتربة. أما رثاء لرجل حي فهي تتناول عالم المقعدين، أي حين يتحول الشخص إلى مقعد بسبب جلطة دماغية. يرثيه صديقه وهو حي، ولربما لن يضيف إلى رثائه شيئاً بعد موته لأنه استعاد من خلال السرد كل الذكريات التي ربطتهما معاً، في التفاتة إنسانية حزينة يواجهها أغلب الناس. تلك القصص، وغيرها، تتمتع بلغة إنسيابية موحية، تبتعد عن العثرات الأسلوبية، كالارتكاز على الإنشاء والحشو اللغوي، إذ يمضي الكاتب مباشرة نحو قراءة الشخصيات، والحوارات، والمخارج الملائمة لمتابعة حركة الشخصيات تلك. هي إذن قصص تخلو من الافتعال، كما لو كانت تجري في واقع محسوس ومعاش. قصة بانتظار العمى، على سبيل المثال، قصة مؤثرة وذكية لشخص مهدد بالعمى، وكيف تتغير رؤيته للألوان، والتفاصيل، ونعمة الابصار. حالة يمكن لأي شخص أن يعيشها على امتداد الكرة الارضية، ولا يهم أن يكون المرء من أي دين، أو لون، أو ملة، أو طائفة. كما يربط الكاتب في بعض القصص حاضر الشخصيات بماضيها، عبر تقنية الاسترجاع الذهني، وذلك في قصة "فيلم بفردة حذاء"، و"عين على المقهى وعين على كرة القدم". ورغم أن أغلب القصص لا تنتمي إلى مكان معروف لبلد بعينه، ونادراً ما تضع أسماء للشخصيات، لكن القارئ يمكنه أن يحدس بأن خلفيات الحكايات، والنظم الاجتماعية السارية، والأمكنة، هي في مجتمعات أوروبية، مستقرة لا تعاني من حروب وقمع واهتزازات. وكانت قصة "يوم من حياة السيد دانيال اندرسون" المتقاعد الغارق في وحدته، خير نموذج لذلك. وهي تعالج قضية الأجانب، والهجرات، والعنصرية، ونظام الرعاية الاجتماعية المتوفر للمتقاعدين. يرى فيها القارئ بعض الأساليب المستنكرة للأجانب، وهي أساليب تترافق مع التفاني بالعمل وخدمة المجتمع. وظاهرة العنصرية في المجتمعات الأوربية لم تعد خافية تجاه الأجانب، لكن التعميم هو ما يضر الجميع. ولمسنا حيرة السيد دانيال، كمواطن أصلي، أمام تلك المفارقة في التعامل مع الوافدين. ويختتم الكاتب العراقي محسن عواد المقيم في السويد، مجموعته القصصية بحكاية توثيقية باسم "حياة جديدة". وهي تكرّس أحداثها السريعة عن تجربة الخروج من العراق في نهاية السبعينيات، والرعب الذي استولى على أشخاص معارضين للنظام، حين حطت بهم الطائرة في مطار بغداد وهي متجهة إلى الكويت، قادمة من الإتحاد السوفيتي. وهي واحدة من آلاف القصص لعراقيين معارضين غادروا بلدهم هرباً من الموت. هذا وقد صدر الكتاب عن منشورات يسطرون " 2026" في القاهرة