تتجه الأنظار إلى ألمانيا غداً السبت، مع استعداد أكثر من 32 مدينة لاستقبال حراك شبابي واسع تقوده مبادرة "جيل زد يتولى الأمر" (Gen Z regelt)، وسط مشاركة متوقعة تتجاوز 150 ألف متظاهر من الطلاب والمتدربين والشباب، في مشهد يضع الشارع الألماني أمام اختبار سياسي وأمني كبير، بالتزامن مع تحركات مماثلة في دول أوروبية أخرى شهد بعضها، ولا سيما فرنسا، عمليات نهب وشغب واسعة. ومع اقتراب ساعة التظاهر، تتصاعد المخاوف الأمنية بالتوازي مع رفع مستوى التأهب، إذ تقرر نشر 1500 شرطي في العاصمة برلين وحدها، فيما تتباين مواقف الأحزاب الألمانية حيال الحراك، وإن كانت الهواجس من احتمال اختراق الاحتجاجات، على غرار ما حدث في فرنسا، تكاد تشكل قاسماً مشتركاً بينها. وفي هذا السياق، كشفت مصادر سياسية بارزة داخل الأحزاب الألمانية، في تصريحات خاصة لـ"إرم نيوز"، عن انقسام عميق في مقاربة حراك "جيل زد"، بين من يرى فيه تعبيراً مشروعاً عن غضب جيل جديد، ومن يتعامل معه بحذر خشية انزلاقه خارج إطاره السلمي. ففي معسكر المؤيدين، أكد مصدر في حزب الخضر الألماني لـ"إرم نيوز" تضامن الحزب الكامل، إلى جانب حزب اليسار، مع المطالب الأساسية للمبادرة الشبابية، مشيراً إلى أن الدعوات إلى زيادة الميزانيات التعليمية وحماية المناخ ورفض التجنيد الإجباري تتقاطع مع الرؤية السياسية للحزب. وفي المقابل، وجّه المصدر انتقادات حادة إلى ما وصفه بـ"التهويل الأمني" الذي يمارسه بعض وزراء الداخلية في الولايات الألمانية، معتبراً أن تخويف الشباب ودفعهم إلى الابتعاد عن التظاهر، والتعامل معهم من منظور أمني محض، يلحقان ضرراً بالغاً بالمسار الديمقراطي. ودعا الحكومة الاتحادية إلى الاستماع مباشرة إلى مخاوف الجيل الجديد وفتح باب الحوار معه، بدلاً من مواجهته بالتقارير الاستخباراتية وتأجيج مخاوف الشارع. أما الحزب الاشتراكي الديمقراطي (SPD)، فيتخذ موقفاً أكثر حذراً. وفي هذا الإطار، قال مصدر مسؤول في الحزب لـ"إرم نيوز" إن أوساطه تقر بوجود أزمات معيشية وتعليمية حقيقية يعاني منها الشباب الألماني، وفي مقدمها نقص السكن وفرص العمل وتردي البنية التحتية للمدارس، وهي مشكلات يعتبر الحزب أنها مشروعة وتحتاج إلى معالجة حثيثة. غير أن هذا الإقرار يترافق مع قلق داخل قيادة الحزب من الهيكل التنظيمي "غير الواضح" لمبادرة "جيل زد"، إذ يخشى الاشتراكيون من أن يؤدي غياب قيادة مؤطرة للحراك إلى فتح الباب أمام اختراقه والسيطرة عليه من تنظيمات متطرفة تسعى إلى تسييس مطالب الطلاب وتوجيهها لخدمة أجندات خاصة. وانطلاقاً من ذلك، يعتبر الحزب الاشتراكي الديمقراطي أن معالجة مشاكل الجيل الجديد يجب أن تمر عبر الحوار داخل القنوات البرلمانية والاتحادات الطلابية الرسمية، وليس من خلال التصعيد في الشارع. وفي موازاة الانقسام السياسي، تتصدر الهواجس الأمنية المشهد عشية التحركات، بعدما حذرت الهيئة الاتحادية لحماية الدستور ووزارة الداخلية من مخاطر استغلال جماعات يسارية متطرفة احتجاجات الشباب ودفعها باتجاه العنف والشغب، على غرار ما شهدته تحركات مماثلة في فرنسا وإيطاليا وإسبانيا. وفي ضوء هذه المخاوف، تكثف السلطات الأمنية مراقبتها لشبكات التواصل الاجتماعي للحد من دعوات العنف، بالتزامن مع تشديد إجراءات التفتيش على الحدود لمنع دخول عناصر مشاغبة من الخارج، مع تأكيد ضرورة الفصل بين الحراك الطلابي السلمي والعناصر الراديكالية. وعلى الضفة السياسية المقابلة، اتخذ حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) موقفاً حاداً ورافضاً للتظاهرات، معتبراً أن الحراك يمثل امتداداً لأجندات اليسار الراديكالي وحركات المناخ المتطرفة التي تلحق، وفق موقفه، الضرر بالاقتصاد والصناعة الوطنية. وانتقد الحزب ما وصفه بالتراخي الحكومي في التعامل مع المنظمين، مطالباً بفرض رقابة أمنية مشددة ومراجعة تصاريح التظاهر. وفي الاتجاه نفسه من الحذر، نأت اتحادات طلابية رسمية، بينها الهيئة الاتحادية للطلاب ومجالس الطلاب في بعض الولايات، بنفسها عن المشاركة المباشرة في الدعوات. ورغم تأييدها المطالب التعليمية، عزت موقفها إلى ضبابية الجهات المنظمة والخشية من الانجرار إلى صراعات أيديولوجية. أبعد من يوم الاحتجاج نفسه، يكشف هذا الحراك عن أزمة ثقة متصاعدة بين مؤسسات الدولة التقليدية والأجيال الجديدة في ألمانيا. ففي حين ترى قيادات "جيل زد" أن مستقبل الشباب يتعرض للإجحاف، في ظل ضخ مليارات اليوروات في الإنفاق العسكري مقابل إهمال قطاعات التعليم والصحة النفسية، تجد الأحزاب الحاكمة والأجهزة الأمنية نفسها أمام نمط جديد من الحركات لا يستند إلى قيادة مركزية أو هيكل حزبي تقليدي، بل يعتمد على التعبئة الرقمية اللامركزية. وهنا تحديداً يبرز مأزق المؤسسات السياسية؛ فاليسار والخضر يسعيان إلى استيعاب طاقات الشباب الغاضبة وتأطير مطا