في رسالتهما للقراء ضمن كتابهما المصوّر المشترك الصادر مؤخراً، "لستُ هنا، لستُ هناك"، يقول هلال شومان وإيما حركة إن العمل على الرواية، بين النص والرسم، استغرق سنوات، لم تتوقف خلالها الأحداث في لبنان والمنطقة. وقد اختارا تناول انفجار مرفأ بيروت في آب 2020، في محاولة "لفهم وتوثيق العيش على إيقاع الكارثة المستمرة". فقد شكل الانفجار، وفق رؤيتهما، لحظة فارقة في تاريخ البلد: استهدف الناس في عيشهم بلا تفرقة، في لحظة جامعة واحدة. ومع ذلك، لم يكن التعامل السياسي مع الانفجار جامعاً، بل ركيزة لتداعيات داخلية غير جديدة، كأنه لم يهشم أحياء وبيوتاً وحيوات بلا تمييز. ويوضح الكاتب والرسامة أن اللبنانيين، على اختلافهم، يشيرون إلى الحروب الأهلية الممتدة والموضعية، وكذلك إلى الاعتداءات الإسرائيلية، بوصفها "أحداثاً" مفردة. "لكنها، في تكرارها، تنفي الاستثنائية التي تدّعيها، وتحيل إلى مسار انحداري متواصل، وإلى ظل كارثة طويل". لذا، فإنهما يحاولان وضع الانفجار في قلب هذا التوصيف اللبناني الجامع، ويتخذانه منطلقاً للعودة إلى المدينة، وتفقد أحيائها وبيوتها وناسها، على اختلاف مشاربهم ومواقعهم في العيش اللبناني. سبقت تلك العودة المنتظرة، عودة فعلية، حكى هلال شومان وإيما حركة تفاصيلها في جلسة لمناقشة الرواية عقدت في مؤسسة "مزج" بوسط القاهرة، وأدارها الفنانان ميجو ومخلوف. قال هلال إنه كان من الضروري العودة إلى "البلد" في مرحلة سابقة على تجهيز الكتاب، خصوصاً أنه وإيما يعيشان في الخارج حالياً، وأيضاً بعد توالى الأحداث منذ 2019 وحتى الآن، يوضح هلال: "نحن ننتج رواية عن موضوع كارثي، وبالتالي الحساسية جزء من الكتابة، وجزء من التصور، كنا نريد أن يكون مثيراً وتوثيقياً لكن الأهم أن يكون دقيقاً ومن دون فجاجة". التقط هلال وإيما نحو ألف صورة للأماكن المحيطة بالمرفأ، كأرشفة لبعض العناصر البصرية، "لم ننقل الصور لكننا أردنا الاستعانة بها بصرياً". كان هلال قد زار المدينة بعد الانفجار بنحو عام، ووجد البلد غريباً إلى حد ما؛ "كل شيء كان متغيراً، البُنية التحتية منهارة أكثر من السابق، كأنه بلد جديد". يصف العلاقة بلبنان بأنها معقدة جداً، "البلد يلاحقك أينما ذهبت. وجزء من هذا الكتاب محاولة للتعبير عن البلد قبل أن يختفي من رأسنا". في العام 2015 تقريباً، عمل هلال مع جنى طرابلسي على ترجمة قصة مصورة عن الجغرافيا، نُشرت في أحد أعداد مجلة "السمندل". كانت تجربة أساسية وتأسيسية بالنسبة إليه، اكتشف من خلالها إمكانية إنتاج عمل يجمع بين الصورة والأدب، وظلت مرجعاً أساسياً له، ومنذ ذلك الوقت بدأ يفكر في هذا الشكل من الكتابة. لكنه نسي الأمر لاحقاً، وإن ظهرت الرسوم في بعض أغلفة كتبه، وكذلك في الرسوم الداخلية لروايته "ليبمو بيروت". يرى شومان أن القصة المصورة مرت بمراحل ارتبطت فيها بالمناخ العام والاهتمامات السائدة، فضلاً عن توجهات رأس المال. يقول هلال إنه يعمل حالياً في مجال بعيد من الكتابة، لكن بدايته كانت العمل في الصحافة اللبنانية العام 2008، ثم انتقل إلى كتابة الرواية، ونشر روايتين نصيتين، قبل أن تصدر "ليبمو بيروت" في 2012، وكانت تجربته الأولى في العمل مع رسامين: "لذا يمكن القول إن لدي تجارب سابقة في دمج النص مع الرسم، لكنها لم تكن غرافيك نوفل كاملة. هذا الكتاب هو أول كتاب كامل كرواية مصورة". يحاول هلال التأريخ للمسألة فيقول إن مرحلة الستينيات والسبعينيات شهدت طفرة في علاقة النص بالرسم، كانت مرتبطة بمشاريع سياسية كالقضية الفلسطينية مع دار الفتى العربي مثلاً. وكانت مصر متقدمة في هذا المجال. ثم تراجعت هذه الثقافة بعد حرب الخليج الثانية، فتوقفت غالبية مجلات الأطفال أو تحولت لشكل آخر، وتراجع العنصر الأدبي لصالح قصص الأطفال، بينما في المراحل السابقة كان هناك أدباء يعملون مع الرسامين، مثل صنع الله إبراهيم وزكريا تامر، مع دار الفتى العربي. وبوجه عام، يرى هلال أن القصة المصورة مرت بمراحل ارتبطت فيها بالمناخ العام والاهتمامات السائدة، فضلاً عن توجهات رأس المال. كتب هلال "لستُ هنا، لستُ هناك"، في البداية، كنص طويل، أقرب إلى الشعر، يتألف من ثلاثة عشر مقطعاً، ثم احتار في ما يمكن أن يفعله به. تركه جانباً، قبل أن يعود إليه بعد شهور، ويشعر بأنه ربما يصلح لرواية مصورة. استشار أصدقاءه، فتباينت آراؤهم، لكنه ظل راغباً في إخراج النص في شكل أدب مصوّر، وهو شكل موجود ومعروف في كندا وأوروبا، وله رف مستقل في بعض المكتبات هناك. ولأن معرفته بهذا الشكل كانت محدودة إلى حد ما، قرأ عنه كثيراً، قبل أن يصل المشروع إلى إيما حركة. يتذكر: "سألتها إن كان يصلح كرواية مصورة، وكان رأيها إيجابياً، ثم بدأنا التنفيذ الفعلي. أظن أن المشروع يفتش عن صاحبه". لم يكن لدى هلال، في البداية، تصور واضح للشكل النهائي للعمل. يقول: "لا أ