لم تقتصر تداعيات الاعتداءات الإسرائيلية على الحوض الأدنى لنهر الليطاني على الأضرار المباشرة التي خلّفتها التفجيرات، بل امتدت لتثير مخاوف بيئية ومائية، بعد رصد تغيّر ملحوظ في لون مياه النهر، التي تحوّلت إلى الأسود والأحمر في عدة مواقع، وصولاً إلى سد الزرارية التحويلي. وفيما باشرت المصلحة الوطنية لنهر الليطاني أخذ عينات لتحديد طبيعة المواد الملوّثة ومصادرها، بدأت أيضاً إجراءات قانونية لتوثيق الضرر وحفظ الأدلة تمهيداً لملاحقة المسؤوليات. وفي حديث إلى «ليبانون ديبايت»، شرح رئيس المصلحة الوطنية لنهر الليطاني، الدكتور سامي علوية، أنه بعد التفجيرين اللذين نفّذهما العدو الإسرائيلي في دير ميماس، «تعكّرت» مياه النهر وتحوّل لونها إلى الأسود والأحمر. وعندها، بادرت المصلحة إلى وقف الري من مشروع القاسمية، لا سيما أن الأمطار كانت تهطل، وبالتالي لم تكن هناك حاجة إلى الري، فأُوقف استخدام المياه لمدة 48 ساعة، لإتاحة المجال أمام تدفّق الكميات المائية وجرف الترسبات والرواسب والمواد العالقة الناتجة عن التفجيرات، بما يسمح للنهر بالتخلّص منها بصورة طبيعية. ولفت علوية إلى أن الأنهار والينابيع تتمتع بحصانة بموجب اتفاقيات جنيف، التي تفرض توثيق مثل هذه الوقائع بمحضر لدى الضابطة العدلية، مشيراً إلى أن المصلحة بادرت إلى تنظيم محضر عدلي لدى النيابة العامة الاستئنافية في النبطية. وأوضح أنه عندما تتلوّث المياه السطحية في النهر، لا يبقى التلوّث محصوراً في الموقع نفسه، نظراً إلى طبيعة جريان المياه، ولذلك عادت المياه، بعد 48 ساعة، إلى لونها الطبيعي. لكنه شدّد على أن العينات المخبرية هي التي ستُظهر ما إذا كانت المياه قد استعادت طبيعتها كما كانت عليه قبل الحادثة أم لا. وأكد أن الفحوص المخبرية ستكشف ما إذا كانت المياه تحتوي على مواد مثل الفوسفات واليورانيوم والنترات. وعن احتمال انتقال هذه المواد إلى البحر، أوضح علوية أن تحديد حجم التأثير يستوجب معرفة طبيعة المواد وتركيزها والكميات التي وصلت إلى مجرى النهر، مشيراً إلى أن مياه البحر تمتلك قدرة أكبر على استيعاب بعض المواد وتخفيف تركيزها، إلا أن ذلك لا يسمح بإعطاء ضمانات مسبقة بشأن عدم حصول أضرار، وخصوصاً على الثروة السمكية أو الاستخدامات البيئية الأخرى. وأكد أن الفحوص والأبحاث هي التي ستحدد التداعيات الفعلية. وحذّر علوية من أن ما حصل سيخلّف آثاراً بيئية حتماً، حتى في حال تحسّن نوعية المياه، لافتاً إلى أن التداعيات المحتملة قد تطال الثروة السمكية والمياه الجوفية وطبقات قاع النهر، إذ إن المواد الناتجة عن التفجيرات قد تدخل في النظام البيئي للنهر وتؤثر فيه على المديين المتوسط والطويل. وكانت المصلحة الوطنية لنهر الليطاني قد أعلنت أنها باشرت الإجراءات الرامية إلى إثبات واقعة الضرر البيئي الذي أحدثته الاعتداءات الإسرائيلية في الحوض الأدنى، وتوثيق آثاره على الموارد المائية والبيئة وحقوق السكان المدنيين، استناداً إلى أحكام القانون الدولي الإنساني المتعلقة بحماية البيئة الطبيعية والأعيان المدنية والموارد التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين. وطلبت المصلحة تنظيم محضر عدلي لدى الضابطة العدلية في فصيلة النبطية، بإشارة من النائب العام الاستئنافي في النبطية، القاضية نجاة أبو شقرا، لإثبات الواقعة وحفظ الأدلة والمستندات المتصلة بها، على أن يُستكمل المحضر بنتائج الفحوص المخبرية والتقارير الفنية التي ستحدّد طبيعة الضرر ومداه. وأكدت المصلحة أنها ستودع المحضر ومرفقاته لدى الجهات الوطنية والدولية المعنية، كلٌّ ضمن اختصاصه، لاتخاذ الإجراءات اللازمة للتحقيق وتحديد المسؤوليات، والمطالبة بوقف الاعتداءات وجبر الأضرار وملاحقة ما يثبت من انتهاكات وفق الأصول القانونية المعمول بها. وختمت المصلحة بالتأكيد أن حماية نهر الليطاني وموارده المائية ومنشآته والمدنيين المنتفعين منها تقتضي وقف الاعتداءات ومنع أي أعمال تؤدي إلى تلويث المياه أو تعريض سلامتها للخطر، مشددة على أن نتائج الفحوص المخبرية ستكون أساساً في تحديد حجم الأضرار وتثبيت المسؤوليات ومتابعة الملف أمام الجهات المختصة.