بعد سنوات على اندلاع الحرب في أوكرانيا، وجّهت موسكو رسالة واضحة إلى إسرائيل، أشادت فيها بما وصفته بالنهج "المتوازن" الذي تتبعه القيادة الإسرائيلية حيال الأزمة الأوكرانية، ولا سيما رفضها الانضمام إلى العقوبات المفروضة على روسيا وعدم تزويد كييف بالسلاح، بالتوازي مع تأكيد روسي أن حضور موسكو في الشرق الأوسط ثابت ولن يتغير. وبحسب تقرير للصحافي إيلي ليون في صحيفة "معاريف" الإسرائيلي، نشر السفير الروسي لدى إسرائيل أناتولي فيكتوروف مقالًا موسعًا بمناسبة مرور 35 عامًا على استئناف العلاقات الدبلوماسية الكاملة بين موسكو وإسرائيل، عرض فيه رؤية بلاده للشرق الأوسط، وأشاد بالسياسة الإسرائيلية الحالية، مع توجيه انتقاد غير مباشر إلى الجهاز المصرفي الإسرائيلي. وجاء المقال في ذكرى استعادة العلاقات الكاملة بين الجانبين في تشرين الأول 1991، مقدّمًا قراءة روسية للعلاقة بين الدولتين في ظل الحربين في أوكرانيا وغزة. واستهل فيكتوروف مقاله باستعراض تاريخي واسع، مشيرًا إلى أن العلاقة بين الشعبين بدأت قبل قيام إسرائيل بوقت طويل. ولفت إلى أن شخصيات أساسية ساهمت في وضع أسس إسرائيل، بينها حاييم وايزمان وزئيف جابوتنسكي ودافيد بن غوريون وغولدا مائير، تأثرت بعمق بالبيئة الاجتماعية والسياسية الروسية. وشدد السفير بصورة خاصة على دور الجيش الأحمر في الحرب العالمية الثانية، حيث قاتل نحو نصف مليون يهودي في صفوفه، معتبرًا أن مكافحة التحريف التاريخي ومعاداة السامية تمثل قيمة مشتركة بين الدولتين. وأشار إلى أن الاتحاد السوفياتي كان أول دولة تعترف بإسرائيل اعترافًا قانونيًا كاملًا "دي يوري" في 18 أيار 1948. وأضاف أنه حتى بعد قطع العلاقات في 10 حزيران 1967، لم تنكر موسكو يومًا حق إسرائيل في الوجود، وحافظت على قنوات اتصال مغلقة مع إسرائيل. لكن الجزء الأبرز من رسالة السفير تناول الواقع الجيوسياسي الراهن. فعلى الرغم من الخلافات القائمة بين موسكو وإسرائيل بشأن عدد من الملفات في أوروبا والشرق الأوسط، أكد فيكتوروف أن الحوار بين الجانبين بقي مفتوحًا وقائمًا على الاحترام. وقال: "نلاحظ النهج المتوازن من حيث المبدأ الذي تتبعه القيادة الإسرائيلية تجاه الأزمة الأوكرانية، ورفضها الانضمام إلى العقوبات المناهضة لروسيا وتزويد كييف بالسلاح". كما حرص على التذكير بالدور الروسي في الحرب في غزة، معتبرًا أن مكانة بلاده ونشاطها الدبلوماسي "ساهما في الإفراج عن جزء من المحتجزين الإسرائيليين من قطاع غزة". وفي حديثه عن الوضع الإقليمي، قال فيكتوروف: "روسيا موجودة في الشرق الأوسط منذ مئات السنين، وهذه حقيقة لن تتغير أبدًا". وانتقد استخدام القوة العسكرية، معتبرًا أنها لا تؤدي سوى إلى دفع مشكلات المنطقة إلى مستويات أعمق، داعيًا إلى حلول سياسية تستند إلى القانون الدولي. وفي الوقت نفسه، وجّه رسالة تصالحية وعرض وساطة موسكو. وقال: "نحن لا نفرض خدماتنا الحميدة على أحد، لكننا مستعدون للمساهمة في بناء الجسور بين الدول الإسلامية وإسرائيل، من أجل إيجاد حلول مقبولة بصورة متبادلة للتناقضات القائمة". وأضاف أن الهدف يتمثل في إقامة منظومة أمن إقليمية مفتوحة ومتساوية تأخذ في الاعتبار مصالح جميع الدول، ومن بينها إسرائيل. وحضر الجانب الاقتصادي بقوة أيضًا في مقال السفير الروسي، الذي كشف أن حجم التجارة السنوي بين روسيا وإسرائيل تجاوز خلال السنوات الأخيرة عتبة 2 مليار دولار. إلا أنه لم يوفر الجهاز المالي الإسرائيلي من الانتقاد. وقال إن الشركات تعمل في ظروف معقدة لأن "المدفوعات المباشرة بين روسيا وإسرائيل غير ممكنة بسبب الحذر المفرط للمصارف الإسرائيلية". ومع ذلك، أشار بارتياح إلى أن رجال الأعمال من الجانبين يواصلون إيجاد "حلول غير تقليدية" للمشكلات المتعلقة باللوجستيات والتمويل. وجاء ذلك رغم ما وصفه بـ"موجة غير مسبوقة من العقوبات غير القانونية" التي فُرضت على موسكو. وختم فيكتوروف مقاله بنبرة متفائلة تجاه مستقبل العلاقات الثنائية. وأعرب عن أمله في أنه حتى بعد الانتخابات المقبلة للكنيست، "لن تنضم القيادة السياسية الإسرائيلية إلى أجندة العقوبات المناهضة لروسيا، وستواصل إجراء حوار بنّاء وموثوق مع بلادنا". كما شدد على متانة الاتصالات بين المستويات السياسية العليا في البلدين. وأشار إلى أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس الحكومة بنيامين نتنياهو أجريا ما لا يقل عن 6 اتصالات هاتفية خلال عام 2025، إضافة إلى اتصال آخر في كانون الثاني 2026. وبحسب السفير، تعكس هذه الاتصالات حوارًا سياسيًا مكثفًا ومستقرًا استمر رغم الاضطرابات الدولية. وتكشف رسالة موسكو أن روسيا تسعى إلى تثبيت علاقتها مع إسرائيل على خطين متوازيين: الإشادة بموقفها من الحرب في أوكرانيا، والحفاظ في الوقت نفسه على دور روسي فاعل في ملفات الشرق الأ