بعد 106 أعوام على إعلان لبنان الكبير، يعود السؤال: لو بقي ضمن حدود المتصرفية، هل كان سينجو؟ خبراء يرون أن ضيق الموارد كان سيزيد الهجرة ويضعف فرص قيام اقتصاد متكامل، فيما تكشف التجربة أن المشكلة لم تكن في اتساع الكيان بقدر ما كانت في إدارة موارده وتنوعه. في الأول من سبتمبر (أيلول) 1920، لم يكن الجنرال الفرنسي هنري غورو يعلن من قصر الصنوبر في بيروت مجرد اسم جديد على خريطة المشرق، بل كان يعلن ولادة كيان بحدود جديدة، خرج من متصرفية جبل لبنان ليضم مدناً كبرى مثل بيروت وطرابلس وصيدا وصور والبقاع وعكار ومناطق أخرى... ويصبح "لبنان الكبير". كان الجبل اللبناني قد اختبر قبل ذلك قسوة ضيق المساحة والموارد. الهجرة سبقت الدولة، والمجاعة الكبرى خلال الحرب العالمية الأولى كشفت هشاشة مجتمع يعتمد في غذائه على الخارج، فيما كانت بيروت بمرفئها وأسواقها تنظر إلى الداخل السوري بصفته امتداداً لدورتها التجارية، وكان البقاع شرقاً يحمل ما افتقد إليه الجبل من أرض زراعية واسعة، لهذا لم تكن معركة الحدود مجرد معركة على الهوية. فخلف أسئلة الطوائف كانت هناك أسئلة القمح والمرفأ والأسواق وطرق التجارة. أي دولة يمكن أن تعيش؟ ومن أين تأكل؟ وأين تتاجر؟ وما المساحة التي تحتاج إليها كي تتحول من جماعة تسكن جبلاً إلى دولة تمتلك اقتصاداً؟ واليوم بعد أكثر من قرن وستة أعوام، يبدو السؤال أكثر قسوة. فلبنان الذي خشي مؤسسوه أن يكون صغيراً على الحياة، أصبح كبيراً بحدوده، لكنه لم ينجح دائماً في تحويل هذه الجغرافيا إلى قوة. البقاع موجود والمياه موجودة والبحر والمرفأ والجنوب والشمال موجودة، لكن الإنماء المتوازن بقي وعداً، وتحولت موارد الدولة نفسها إلى ساحة للصراع السياسي. فماذا لو لم يحصل كل ذلك، ماذا لو بقي لبنان ضمن حدود المتصرفية، هل كان التجانس النسبي سيمنحه استقراراً افتقد إليه لاحقاً، أم إن دولة الجبل كانت ستكتشف سريعاً أن الهدوء وحده لا يطعم دولة، وأن الجغرافيا الصغيرة لا تستطيع الهرب من جيرانها؟ لحظة إعلان دولة لبنان الكبير في الأول من سبتمبر 1920 (صورة متداولة على مواقع التواصل) يبدأ الجواب من الناس أنفسهم. فالحدود التي اتسعت عام 1920 لم تضف الأرض إلى لبنان فحسب، بل غيرت تركيبته البشرية والاجتماعية، وربطت جماعات ومناطق ذات أنماط سكانية واقتصادية مختلفة ضمن دولة واحدة. يعتبر الخبير الديموغرافي الدكتور علي فاعور أن "بقاء لبنان ضمن حدود متصرفية جبل لبنان كان سيعني واقعاً ديموغرافياً واجتماعياً مختلفاً عن الذي نشأ بعد إعلان لبنان عام 1920"، لافتاً إلى أن "محدودية السكان والموارد كانت ستدفع إلى مزيد من الهجرة". ويشير فاعور إلى أن مناطق في جبل لبنان تشهد اليوم تراجعاً في النمو السكاني، ولا سيما في المناطق الجبلية وكسروان، مذكراً بأن موجات الهجرة إلى أميركا اللاتينية انطلقت في جانب كبير منها من جبل لبنان حتى قبل قيام لبنان الكبير. لم يكن الانتقال من المتصرفية إلى لبنان الكبير، ديموغرافياً، مجرد زيادة في عدد السكان. فضم المدن الساحلية والبقاع وعكار والجنوب أدخل إلى الدولة الناشئة ثقلاً سكانياً واجتماعياً جديداً، وأعاد رسم التوازنات داخلها. ويقول فاعور إن "التركيبة الاجتماعية كانت ستختلف كلياً لو بقي لبنان ضمن حدود المتصرفية"، موضحاً أن ضم بيروت وطرابلس وصيدا وصور والبقاع وعكار ومناطق أخرى أدى إلى اتساع التنوع السكاني في الكيان الجديد. ويلفت إلى أن "محدودية الموارد في المتصرفية كانت عاملاً أساساً"، مشيراً إلى أن "قيام لبنان الكبير أتاح الاستفادة من مناطق زراعية وموارد إضافية، وفي مقدمها سهل البقاع، ضمن تصور كان يفترض أن يقوم على ربط المناطق بعضها ببعض وتحقيق الإنماء المتوازن"، مؤكداً أن "محدودية السكان والموارد كانت ستدفع إلى مزيد من الهجرة، فيما أتاح قيام لبنان الكبير تنوعاً أكبر في السكان والموارد والإمكانات". لكن امتلاك الموارد شيء والقدرة على إدارتها شيء آخر. وبعد قرن على رسم الحدود، يصبح السؤال ليس فقط عما كسبه لبنان من الجغرافيا الجديدة، بل عما فعله بما كسبه. هنا يعتقد فاعور أن "المشكلة الأساسية لاحقاً كانت في إدارة الموارد وتنظيم استخدامات الأراضي وعدم تطبيق الإنماء المتوازن"، لافتاً إلى أن "هذه الاختلالات تراكمت مع الوقت، على رغم ما يمتلكه لبنان من إمكانات مائية وزراعية لم تُحسن إدارتها". وأشار إلى أن "عدداً كبيراً من الأنهار الساحلية يعاني التلوث، في مؤشر إلى الخلل في إدارة الموارد والاستفادة منها". ويضيف أنه "لو جرى تطبيق الإنماء المتوازن وتنظيم استخدامات الأراضي والاستفادة السليمة من الموارد، لكان بالإمكان تحقيق الغاية التي كان يفترض أن يقوم عليها الربط بين مختلف المناطق عند إنشاء لبنان الكبير". تغيرت خريطة البلاد مع ضم أجزاء كبيرة من الجنوب إلى الشمال