يؤنس القارئة اشتياق اليراعة إلى حضن القصيدة، كما ذرَفَ نجيع الروح عطر الحبر المغمّس بالاشتياق، على صفحات ديوان «عمَّدَتْني بالحبّ» لخليل سمعان. فقد ثارَ لهيب العشق عندما غادر رحم القلم من دون استئذان، مهتديًا ببوصلة متيّمة الاتّجاه. إذا قرأت أنثى ديوان سمعان، تحيلها القراءة إلى الحلم بالحبيب في لهيب اشتياقها، فترنّم بعضًا من الكلمات في جمر الشفتين. وتزرع الأنفاس على وسادة حبّها، ولا تلتفت إلى مسرى الضوء على شرفتها، فبهاء المشهد في الصفحات أمامها يسعدها. وتنفرج القصائد عن رجل يقبع في ذكرياتها، تهيم به، يقلق ثورتها الداخليّة، ويستوطن في كيانها شهد الكلمات، ورقّة الأنوثة المضمّخة بأرجوان الهوى. هي الأنثى نفسها، حين قرأت واستمعت إلى فعل الحبّ الذي تلاه عليها الشاعر، ففاضَ في جنبات عمرها نور العشق، وارتسمت لياليها من ضياء الأنس صدق الهوى، مثل عبير سال من شفاه النجوم. يقول الشاعر: "لا تقفلي شبّاك غرفتك/ كي تشاركني النجوم القصيدة". (صفحة 16). هي الأنثى نفسها، حين سطّرتها يراعة في قصيدة "اشتعال"، تفاجأت الأوراق بين يديها، وشبّت النار في الديوان، وهطلت النيازك من الفضاء في غرفتها السريّة. وحين قرأت، تحوّلت الأوراق إلى درر تبهر النظر، ككوكبٍ وقع وانكسر، وأصابتها منه الحروف بنعمة الحبّ التي لا شفاء منها: "اشتياق... تتمرّد الكلمات/ وتذبل الحروف/ حين لا أذكر اسمك/ في القصيدة./ وإذا فعلت!/ يشتعل الورق بين يديَّ/ كما ستشتعلين يوم ألقاكِ!." (صفحة 36). لم تكن تدرك تلك الأنثى القارئة أنّ قصائد الشاعر وطن، ورائحة ياسمين منتشرة، وروح تعبق في المكان بشتّى أطياف السعادة. وإنّها مذاق قهوة باتت بلا طعمٍ لو لم تدرك أنّ حبّ الشاعر جعل من الديوان وطنًا، ومنها مواطنة شديدة الانتماء تأبى الإقامة على صفحات أخرى. يقول خليل الشاعر في الصفحة 45: "هذا الصباح/ سأشرب قهوتي/ ولن تكون مرّة/ لأنّك ضيف أفكاري/ ونبضي". ضمّ الشاعر حبيبته القارئة برفق إلى رياض النهدين، فهدهدها العشق. وسار في عروقها ألق النجوم، فما قبّل القمر سوى نار الشفتين، وارتضى الحبّ أن يغشى المقلتين: "أحاول.../ متابعة حركة نبضك/ وشفتيك/ واستدارة النهدين/ لأفكّ الرموز والكلمات/ فتتدخّل نظراتك/ والآهات/ يا جميلة العينين والأهداب،/ تشعلين الحروف والورق/ فتندلع في حياتي حرائق المراهقة". (صفحة 63). أسدلت القارئة ستارة حبّ في الليل على الديوان بعد قراءته، فجمال السّدفة في غفوة الشوق طيب الأماني، وهيام وجدها تلقّح بغواية الاشتياق. والقصائد بلسمة جراح تغفو في قناديل الفجر، تحدِّث عن لغة تيتّمت في غواية الدجى. وتحضر الليالي في اشتعال العشق، وتقرأ الأشعار لكون الأنثى هدى الأحلام. فيستبطن الغرام فتنة الحياة في صبوة العشق. ففي قصائد عديدة سكنت فتنة الليل، والشوق ضوء في نضر وعرفان حبّ وسمر: "يأتمنك الليل على أسراره/ فتولد القصائد". (صفحة 17)؛ "انتظرك في ليلي ونهاري ومحطّات العمر والحياة،/ تخرجين إليّ من قلق الوسادة، وعباءة الليل". (صفحة 73). باح خليل سمعان في ديوان "عمَّدتني بالحبّ" لقلب قارئة بسرّ الحبّ، ولعينيها بالعشق، وكلما هام قلبها شوقًا شدّ الرحال إليها، فعبر كل الصفحات وغاص في الدواة، وجعل حبر العشق في عروقها يتدفّق، ووشم جسدها بقصائد من بسمة الليل على ثغر السماء.