شدّد مفتي محافظة بعلبك الهرمل الشيخ الدكتور بكر الرفاعي على أن مواجهة الفتن والفساد تبدأ بالوعي والمحاسبة، منتقدًا الخلل في إدارة مؤسسات الدولة وتفاوت معايير الحماية والإنفاق، وداعيًا إلى تعزيز الجامعة اللبنانية والمستشفيات الحكومية وحماية حقوق المواطنين، فيما اعتبر أن نتائج الانتخابات في إسرائيل لا تشكل تحولًا فعليًا ما دامت سياساتها تجاه الفلسطينيين ولبنان وسوريا مستمرة. وفي خطبة الجمعة، أكد الرفاعي أن الإيمان لا يقتصر على الامتناع عن المعصية، بل يقوم على الوعي والوقاية من أسبابها، مشيرًا إلى أن القرآن الكريم، بقوله "وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَىٰ"، لم ينهَ عن الفاحشة وحدها، بل عن الاقتراب من الطرق المؤدية إليها. ولفت إلى أن الفتنة "ليست دائمًا صدامًا في الشوارع أو اقتتالًا بالسلاح"، إذ قد تبدأ بفكرة مضللة أو خطاب يحرض على الكراهية أو سلطة تستغل ضعف الناس، معتبرًا أن حماية الأخلاق والحقوق مسؤولية فردية ومؤسساتية في آن. في السياق، رأى الرفاعي أن الدعم العراقي لترميم المسجد الأموي ومقام السيدة زينب في سوريا يحمل دلالات تتجاوز الإعمار، ويمكن أن يسهم في ترميم العلاقات بين المسلمين بعد سنوات من الدماء والانقسامات، مؤكدًا أن المعالم الدينية يجب أن تكون "جسورًا للتلاقي لا ساحات للتنازع"، وأن تتقدم لغة الإعمار والمصالحة على خطاب الثأر والكراهية. وتطرق إلى الانتخابات الإسرائيلية، معتبرًا أن "تبدل الوجوه" لا يكفي للحكم على أي تغيير سياسي، وقال: "المعيار ليس اسم الحاكم ولا شعاره، بل السياسات والوقائع على الأرض". وأضاف أن استمرار معاناة الفلسطينيين، وبقاء الأراضي المحتلة في فلسطين ولبنان وسوريا، وتداعيات الحرب والحصار والدمار في غزة، إلى جانب الانتهاكات بحق المسجد الأقصى، يعني أن "تغيير الحكومات وحده لا يعني تغيير النهج"، مشددًا على أن العدالة تُقاس باحترام حقوق الشعوب وإنهاء الاحتلال. لبنانيًا، انتقد الرفاعي مظاهر الفساد الإداري والمالي والسياسي، معتبرًا أنها "لا تعالج بالشعارات بل بالمساءلة وتكافؤ المسؤولية". وقال إن من مظاهر الخلل أن "يحظى بعض المسؤولين وأفراد عائلاتهم بحماية أمنية تفوق ما يحتاج إليه 20 مسؤولًا، فيما تُترك مرافق عامة، ومنها مرافق في الجامعة اللبنانية، ليلًا عرضة للعبث والتخريب"، محذرًا من أن عدم توحيد المعايير وحماية المؤسسات يضعف ثقة المواطنين بالدولة ويفتح أبواب الهدر والفوضى. كما حذر من تراجع الجامعة اللبنانية والمستشفيات الحكومية في مقابل ارتفاع أعباء التعليم والاستشفاء الخاص، معتبرًا أن تقوية القطاع العام لا تعني استهداف المؤسسات الخاصة، بل ضمان تكافؤ الفرص وحق المواطنين في التعليم والعلاج. وأشار إلى أن إدارة الموارد العامة بمنطق المحاصصة والمصالح الضيقة تجعل الفقراء أول من يدفع الثمن، وتحول الحقوق الأساسية إلى امتيازات لا يحصل عليها إلا القادرون. وعلى المستوى الدولي، رأى الرفاعي أن العالم يمر بتحولات تعيد رسم خرائط السياسة وموازين القوى، بعدما أظهرت التجارب حدود بعض النماذج الليبرالية حين تنفصل الحرية عن العدالة الاجتماعية وتُترك الثروة والسلطة بلا ضوابط كافية. وأكد أن المطلوب ليس "استبدال شعار بشعار"، بل بناء نظام يوازن بين الحرية والمسؤولية والمبادرة الفردية والعدالة الاجتماعية. وختم الرفاعي بالتشديد على أن الحل "لا يكون بالفوضى ولا بتقديس السلطة، بل بنظام عادل محكوم بالقانون، قائم على مؤسسات فاعلة ورقابة ومحاسبة"، مضيفًا: "الدولة ليست ملكًا لمسؤوليها، والمال العام ليس غنيمة، والمؤسسات ليست مزارع خاصة، إنما هي أمانة لخدمة الناس وحماية كرامتهم وصون مستقبل أبنائهم". ودعا إلى رفض الفتنة والفساد والظلم وعدم منح الثقة من دون مساءلة، مؤكدًا أن "الإصلاح يبدأ بالوعي ويثبت بالعمل والمحاسبة".