مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي الأميركية، تتضافر استطلاعات الرأي لترجح خسارة صريحة للحزب الجمهوري في مجلس النواب لصالح خصومه الديمقراطيين واحتمال خسارة مماثلة في مجلس الشيوخ. وللوهلة الأولى، يبدو الاستناد إلى نماذج انتخابية كبرى، مثل التحول المتسارع في ولاية تكساس، برهاناً ساطعاً على تبدل جذري في "المزاج العام الأميركي". غير أن تكساس في واقعها ليست مقياساً دقيقاً لتحول فكري. فحين تعمد أي ولاية إلى استحضار الغرباء للإقامة فيها بإغراءات استثمارية وتقنية كبرى، فإنها تحكم على نفسها بالاختراق الأزرق. الرأسمالية الرقمية لا تعمل إلا في بيئات غير متجانسة، والديمقراطيون لا يزدهرون تاريخياً وسياسياً إلا في المساحات التي كُسرت فيها أحادية النسيج الاجتماعي. مع ذلك تكساس ليست محسومة تماماً. لم تنجز نقلتها بعد. والناظر إلى خريطتها الانتخابية سيلحظ مدنا كوزموبوليتية زرقاء، تحتضن التنوع وتستقبل مهاجرين من الولايات الأخرى، وأريافاً ما زالت ملونة بالأحمر. لكن الواضح أنها في طريقها إلى ان تصبح ولاية ديمقراطية. إن لم يكن اليوم ففي الأعوام القليلة المقبلة. وإذا ما حذفنا تكساس من هذه المعادلة، واعتبرناها مجرد نتيجة حتمية لطفرة ديموغرافية مستوردة، فما الذي يتبقى فعلياً من السردية الشائعة حول "تحول المزاج الأميركي" مجددا نحو اليسار والانفتاح والتمسك بقيم الديمقراطية؟ النظر المتأني في الخريطة بعيداً عن صخب تكساس يكشف أننا لا نقف أمام اعتناق شعبي لأيديولوجيا الديمقراطيين، بل أمام ثلاثة مآزق بنيوية تحكم سلوك الناخب وتجعله يصوت بدافع "النفي" والبحث عن الحصانة اليومية: حزام الصدأ: التصويت ضد السلطة كحداد على الماضي في ولايات حزام الصدأ (Rust Belt) كميشيغن وبنسلفانيا، نشأ الحزب الديمقراطي تاريخياً على أرضية الصناعات الثقيلة التي استقطبت موجات الهجرة الداخلية والخارجية. واليوم، تبرز المفارقة في أن انهيار هذه الصناعات وهجرتها هو ذاته ما يعيد للديمقراطيين بعض حضورهم. هذه الولايات عالقة في مأزق وجودي لا فكاك منه: المصانع القديمة ومداخن الصلب لن تعود إليها مهما بلغت وعود الحمائية، وفي الوقت عينه تعجز هذه المجتمعات عن نسيان هويتها العمالية القديمة لتتحول إلى قطاع خدمات تقني معقم. خلاصة الأمر أن ناخب حزام الصدأ لا يصوت للحزب الديمقراطي إيماناً ببرنامجه، بل يصوت بوصفه كائناً معادياً للسلطة القائمة أيا كان لونها. تصويت متقلب واحتجاجي مستمر، في مواجهة الجالس في البيت الأبيض أو الكونغرس كفعل حداد لا ينتهي على مجد صناعي مفقود. فعل حداد لا يبدو أن أي سياسة عامة قادرة على تبديله. فالسياسات التي اتبعها ترامب لإعادة الصناعة إلى أميركا، عبر الضغط على الحلفاء والخصوم، وفرض تعريفات جمركية على السلع المستوردة، أثمرت إعلاناً من بي أم دبليو عن استكمال مصنع البطاريات في كارولاينا الجنوبية، فيما أعلنت فولكسفاغن منذ أيام عن بناء مصنع لسيارات أودي رباعية الدفع في جورجيا، تبلغ طاقته السنوية 200 ألف سيارة. الصناعة العائدة تجاهلت عرينها القديم، وفضلت البدء من أمكنة أخرى. الجيتوات المغلقة والرأسمالية المتوحشة المستترة المعركة الثانية تشتعل حول الهجرة، حيث يبدو هاجس الجمهوريين متمحورا حول خطر تفتت "التجانس القاري" بسبب المهاجرين الذين لا يرغبون في الاندماج، بل يؤسسون جزرهم ومجتمعاتهم المقفلة. هذا التكتل ينطبق على العرب والمسلمين في ميشيغن وفلوريدا، وعلى الأرمن في غلينديل بكاليفورنيا، وعلى الصوماليين في مينيسوتا. هذه الجيوب تتعيش غالبا على تضامن أهلي وعشائري موازٍ في مواجهة الدولة الفيدرالية: إنشاء مؤسسات غير معلنة، التحايل على الضرائب والملكية، وأحياناً استباحة المال العام، على ما اتضح من تفاصيل في قضية "Feeding Our Future" حيث تم الاشتباه بنشاط احتيالي بنحو 250 مليون دولار من برنامج إطعام أطفال فيديرالي، وحصلت عشرات الإدانات، وسلط الضوء على شبكة غالبية مشغّليها من الجالية الصومالية، لكن الدولة ترددت في التحقيق، والمنظمة رفعت دعوى تمييز عنصري، ثم استأنفت الوزارة الدفع بعد أن أفادت أن أوجه القصور التي بررت تعليقها مؤقتاً قد عولجت. صحيح أن أميركا احتضنت تاريخياً تكوّن "دول صغيرة" داخل جسمها المتسع. فالمدن الأميركية بنتها العصابات الإيرلندية والإيطالية، وقطاعات مالية ضخمة مثل التأمين نشأت بالأساس على أكتاف تحصين أموال الحماية، غير أن الفارق اليوم يكمن في استعصاء هذه الجيتوات على الاندماج في الاقتصاد الكلي. فالتاريخ يخبرنا أن أحد أكبر مصارف أميركا ولد داخل جيتو مهاجرين: ففي عام 1904 أسّس أماديو جيانيني، ابن مهاجرين إيطاليين، "بنك أوف إيتالي" في سان فرانسيسكو ليخدم جاليته التي أغلقت البنوك الأميركية أبوابها في وجهها، قبل أن يتحوّل المصرف الموازي نفسه، عام 1930، إلى "بنك أوف أميركا"