"تخيّل إنك عم تشوف بيتك ورزقك، يلي تعبت وشقيت فيه، عم ينجرف قدّام عيونك هيك". بهذه الكلمات، يختصر عبد الله عباس مشهداً لجرافة إسرائيلية تهدم بيته الذي وضع فيه تعب عمره، فيما يراقب ما يحدث من خلال كاميرات المراقبة، عاجزاً عن فعل أي شيء. لم يكن عبد الله يشاهد بيتاً فحسب، بل حلماً انتظره عقوداً، وأنفق في سبيله ما جمعه من مال، وباع عقارات امتلكها، واستدان حتى يتمكن من بنائه. لكنه لم يسكنه سوى 11 شهراً، قبل أن تدمره القوات الإسرائيلية في منطقة الحمرة، التابعة لبلدة زوطر الشرقية في قضاء النبطية، جنوبي لبنان. انتشر مقطع مصور من كاميرات المراقبة يُظهر تجريف منزل عبد الله، في مشهد يعكس جانباً من عمليات الهدم والتجريف التي تواصل القوات الإسرائيلية تنفيذها في البلدة، وتطال المنازل والأراضي الزراعية. وبالنسبة إلى عبد الله، لم يكن المقطع مجرد توثيق لدمار حلّ بممتلكاته، بل لحظة عاشها بالصوت والصورة، وهو يرى ما بناه يتلاشى أمام عينيه. تعود حكاية عبد الله إلى عام 1984، حين اضطر مع عائلته إلى النزوح من القنطرة، مسقط رأسه، والاستقرار في النبطية. هناك، عاش سنوات طويلة، إلى أن قرر عام 2012 شراء شقة في النبطية الفوقا. ومنذ ذلك الوقت، بدأ يفكر في بناء بيت خاص به، يكون ثمرة سنوات عمله وتعبه. في عام 2024، اشترى عقاراً في منطقة الحمرة في زوطر الشرقية، وباع شقته في النبطية الفوقا وعقاراً آخر ليبدأ أعمال البناء. كان يريد أن ينتقل إلى بيته الجديد، وأن يستقر أخيراً في مكان يملكه. يقول إنه انتقل إلى المنزل في شباط 2025. لم يمهله الوقت طويلاً ليعيش فيه كما أراد. فمع تجدّد الحرب قبل في الثاني من آذار 2026، اضطر مع عائلته إلى مغادرته، تاركاً وراءه بيتاً لم يكن قد انتهى بعد من تسديد تكاليف بنائه. خلال حرب الـ 66 يوماً، في العام 2024 نزح عبد الله ثم عاد، من دون أن يتعرض المنزل لأي ضرر. وكانت المنطقة، بحسب وصفه، تضم منازل وفللاً يسكنها أصحابها، من دون مستودعات أو كراجات أو شقق مخصصة للإيجار. ويؤكد أن أبناء الحي يعرفون بعضهم بعضاً. بعد مغادرته المنزل قسرا بسبب الحرب، لم ينقطع عبد الله عنه تماماً. فقد كانت كاميرات المراقبة تتيح له متابعة تفاصيله من بعيد، فيما أبقت منظومة الطاقة الشمسية الإنترنت يعمل، بعد تركيب جهاز راوتر يعتمد على شريحة اتصال. استمر في متابعة ما يجري فيه عبر الكاميرات، يراقب المكان الذي اضطر إلى تركه، ويسمع الأصوات التي تصل إليه من محيطه. تحولت الكاميرات، مع مرور الوقت، إلى صلة يومية بينه وبين البيت، وإلى وسيلة يطمئن من خلالها إلى أن ما بناه لا يزال قائماً. بعد إعلان ما سمي بوقف إطلاق النار، بقيت القوات الإسرائيلية في زوطر الشرقية، وفق روايته، لكنها لم تكن قد دخلت بعد إلى منطقة الحمرة. ومع تكرار أصوات التفجيرات في المنطقة، كان عبد الله ينتظر بقلق، ويأمل ألّا يصل الدور إلى منزله. يقول لـ "المدن" إنه كان قد بدأ يتوقع هذا الاحتمال، وإن ما جرى في الأيام الأخيرة قبل تدمير المنزل زاد مخاوفه. ففي اليوم السابق، وقع تفجير في الحي، وانقطعت الكاميرات عن العمل. فهم عبد الله أنّ القوات الإسرائيلية ربما وصلت إلى المنطقة، وانتظر عودة الاتصال بها. وفي اليوم التالي، كان جالساً في أحد المقاهي مع أصدقائه، حين وصلته أخبار عن تحرك آليات إسرائيلية في منطقة الحمرة، بعدما شاهد أحد الأشخاص تلك الآليات أثناء التصوير في منطقة كفردجال. قرر عبد الله فتح الكاميرات ليتحقق مما يجري، وليتأكد من أنها عادت إلى العمل. لكنّ المشهد الذي ظهر أمامه كان مختلفاً عمّا توقعه. "بالصدفة، فتحت الكاميرات لشوف إذا رجعوا اشتغلوا، وفجأة شفت الجرافة على تصوينة البيت قدّام عيوني". كانت الجرافة قد وصلت إلى المنزل. بدأت بتجريف السور، قبل أن تمتد عمليات الهدم إلى جزء من البناء، فيما توقفت دبابة في المكان. وبعد ذلك، انقطعت صورة الكاميرا، تاركة عبد الله أمام ما شاهده للتوّ، من دون أن يعرف في تلك اللحظة كل ما جرى داخل المنزل. لاحقاً، علم بوقوع تفجير في الحي، ورجح أن تكون القوات الإسرائيلية قد دخلت إلى المنزل وفجرته. لكنّ المشهد الذي بقي عالقاً في ذهنه هو صورة الجرافة وهي تقترب من بيته، فيما كان هو في مكان آخر، لا يستطيع فعل شيء سوى المشاهدة. يصعب على عبد الله أن يصف ما شعر به وهو يرى منزله يُجرَف. لا يتحدث عن خسارة عقارية فحسب، ولا عن أموال يمكن حسابها، بل عن حصيلة سنوات طويلة من العمل والتوفير والتنازل عن ممتلكات أخرى، من أجل الوصول إلى لحظة الاستقرار التي لم تدم طويلاً. يقول: "الشعور كان كأنّ حدا عم ياكل من لحمك. شعور ما بينوصف". لم يسكن عبد الله منزله سوى 11 شهراً. لم يتمكن من إكمال سنته الأولى فيه، ولم تتح له الفرصة ليعيش فيه بما يكفي ليشعر أن سنوات الانتظار انتهت. كان قد وضع فيه تعب