لا تبدو الحركة الدبلوماسية الأوروبية المتسارعة باتجاه بيروت منفصلة عن المأزق الذي وصلت إليه المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية برعاية واشنطن. فخلال الأسابيع الأخيرة، توالت زيارات المسؤولين والوفود الأوروبية من فرنسا وإيرلندا وألمانيا والاتحاد الأوروبي، بالتوازي مع اتصالات أمنية وعسكرية مع بريطانيا. وتأتي هذه الحركة مع اقتراب انتهاء ولاية قوات "اليونيفيل"، واستمرار الاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب، وانشغال الإدارة الأميركية بالانتخابات النصفية وتطورات المواجهة مع إيران. وبين البحث عن ترتيبات أمنية جديدة والخشية من انفجار إقليمي، يحاول الأوروبيون منع تدهور الأوضاع، في وقت لا تظهر فيه مؤشرات جدية إلى إمكان تحقيق اختراق سياسي قريب. وتأتي هذه التحركات بعد انتهاء جولة المفاوضات العسكرية اللبنانية الإسرائيلية في تامبا من دون نتائج ملموسة، نتيجة استمرار الخلاف حول آلية التحقق من تنفيذ اتفاق الإطار، وترابط الانسحاب الإسرائيلي مع مسألة نزع سلاح حزب الله. فإسرائيل تشترط تحقيق تقدم في نزع السلاح قبل الانسحاب، فيما يتمسك لبنان بانسحاب القوات الإسرائيلية ووقف الاعتداءات، ووجود جهة دولية مستقلة للتحقق من تنفيذ الالتزامات. وقد عكست تصريحات الرئيس جوزاف عون، خلال استقباله وزيرة الخارجية والدفاع الإيرلندية هيلين ماكنتي، حجم التعثر، إذ أشار إلى أن الاتصالات اللبنانية مع واشنطن لوقف الاعتداءات الإسرائيلية لم تحقق النتائج المرجوة. في هذا السياق، تبرز الحركة الأوروبية كمحاولة للتعامل مع تداعيات الأزمة، وليس لتقديم مسار تفاوضي بديل. فقد زار وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، برفقة الوزيرة المنتدبة لدى وزيرة الجيوش أليس روفو، بيروت، وبحثا مستقبل الوجود الدولي في الجنوب. وسبق ذلك تحرك مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية كايا كالاس، الذي مهّد لإنشاء بعثة لدعم الجيش وقوى الأمن الداخلي. ثم جاءت زيارة الوزيرة الإيرلندية، قبل وصول وزيرة التعاون الاقتصادي والتنمية الألمانية ريم العبالي رادوفان. وبالتوازي، التقى قائد الجيش رودولف هيكل في لندن مسؤولين بريطانيين، بينهم مستشار الأمن القومي جوناثان باول، وبحث معهم خيارات المرحلة المقبلة. وتعكس هذه الزيارات تعدد الاهتمامات الأوروبية. ففرنسا تركز على الترتيبات الأمنية والسياسية، وإيرلندا على استمرار الحضور الدولي، فيما تتجه ألمانيا نحو دعم المؤسسات. أما بريطانيا، فتتابع الملف من زاوية أمنية وعسكرية. غير أن تقاطع هذه المسارات لا يعني وجود مبادرة أوروبية موحدة أو تصور نهائي للحل. وفي حديث خاص إلى "المدن"، يرى السفير اللبناني السابق في واشنطن رياض طبارة "أن حركة الموفدين الأوروبيين تندرج في إطار محاولات إدارة الأزمة واحتواء تداعياتها، أكثر مما تعكس مبادرات تحمل حلولاً جاهزة". ويوضح أن "الأوروبيين لا يملكون القدرة على إحداث اختراق جوهري في ظل استمرار تعثر المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية، لأن الحلول الأساسية تبقى مرتبطة بمواقف الولايات المتحدة وإسرائيل وبالتفاهمات التي لم تتوافر شروطها حتى الآن". لكن طبارة لا يقلل من جدية هذا الحراك، بل يعتبر "أن خطورة المرحلة تفرض التعامل معه بجدية، خصوصاً أن الدول الأوروبية تحاول تهدئة الأوضاع ومنع تفاقم الأزمة، وإبقاء قنوات التواصل مفتوحة". ويشير إلى أن الموفدين يسعون إلى معالجة ملفات عالقة والتوصل إلى تفاهمات جزئية، من دون القدرة على فرض تسوية شاملة. يحتل مستقبل الوجود الدولي في الجنوب موقعاً أساسياً في الاتصالات الأوروبية، مع اقتراب انتهاء الولاية العملانية لـ"اليونيفيل" نهاية العام الجاري، على أن تستكمل انسحابها خلال 2027. وتخشى الدول الأوروبية أن يؤدي الانسحاب من دون ترتيبات بديلة إلى فراغ أمني، في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من الأراضي اللبنانية وغياب تفاهم واضح حول آليات مراقبة الحدود. وفي هذا الإطار، تشدد فرنسا على ضرورة إنشاء بنية دولية جديدة تدعم سيادة لبنان، فيما يؤكد الاتحاد الأوروبي أن بعثته الجديدة، التي أُنشئت بولاية أولية تمتد ثلاث سنوات، لا تشكل بديلاً من "اليونيفيل"، بل تهدف إلى تدريب المؤسسات العسكرية والأمنية ودعمها. فالبعثة الأوروبية لا تتولى تلقائياً مهام مراقبة الحدود أو الفصل بين القوات اللبنانية والإسرائيلية، ما يبقي البحث مفتوحاً عن صيغة أخرى للحضور الدولي. وقد أظهرت زيارة الوزيرة الإيرلندية حجم القلق من هذه المسألة، خصوصاً بعدما عاينت الدمار الإسرائيلي في الجنوب وأكدت أهمية استمرار وجود مراقبين دوليين لتوثيق الانتهاكات. كذلك رحب عون، خلال لقائه بها، بأي قوة أوروبية بديلة تعمل بالتعاون مع الأمم المتحدة، إذا تعذر تمديد المهمة الحالية. وفي قراءته لهذا الملف، يشير طبارة إلى أن "النقاشات تتناول خيارات متعددة، بينها استمرار القوات الدولية مع تعدي