يثير قرار الجزائر إرسال قوات عسكرية إلى النيجر مخاوف من تحوّل جنوب ليبيا إلى ساحة جديدة للتنافس الإقليمي، خصوصاً مع الحديث عن تمركز هذه القوات قرب الحدود الليبية، في منطقة تتقاطع فيها المصالح الأمنية والعسكرية والاقتصادية لدول شمال أفريقيا والساحل. ويحمل القرار، الذي أجازه البرلمان الجزائري، دلالة استثنائية في السياسة العسكرية للجزائر، إذ يمثّل انتقالاً من التحفّظ التقليدي على العمليات العسكرية خارج الحدود إلى الانخراط المباشر في الترتيبات الأمنية لمنطقة الساحل. وتربط الجزائر المهمة بحماية مصالحها الاقتصادية ومشاريع الطاقة وتعزيز التعاون الأمني مع نيامي. وتتزايد حساسية الخطوة مع المعلومات عن احتمال اختيار قاعدة ماداما في شمال النيجر، قرب الحدود الليبية، موقعاً للانتشار. فالمنطقة ترتبط بممرات صحراوية تصل النيجر بجنوب ليبيا وتشاد، وتستخدمها جماعات مسلحة وشبكات تهريب ومهاجرون غير نظاميين. ويضع هذا الاحتمال القوات الجزائرية على مقربة من مناطق ينتشر فيها الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر، بما قد يضيف تعقيدات جديدة إلى المعادلات الأمنية في الجنوب الليبي. لا يستغرب مدير مؤسسة "ابدأ" للدراسات عبد الله الغرياني التحرّك الجزائري، في ظل التحديات الأمنية التي تواجه النيجر، خصوصاً نشاط تنظيم "داعش" في الساحل، وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين التابعة لتنظيم "القاعدة" في مالي، فضلاً عن جماعات مرتبطة بتنظيم "بوكو حرام" قرب بحيرة تشاد. لكن الغرياني يربط الخطوة أيضاً بالتنافس الدولي على النفوذ في النيجر، بعد انقلاب تموز/يوليو 2023 الذي أطاح الرئيس محمد بازوم، والتقارب بين السلطة العسكرية في نيامي وروسيا، بالتزامن مع تراجع النفوذ العسكري الفرنسي. وفي تصريح خاص لـ"النهار"، يعتبر أن "الجزائريين اختاروا الانحياز إلى صف روسيا والمجلس العسكري". ويشير إلى أن مكافحة الإرهاب تتيح التعاون بين دول المنطقة، بما فيها ليبيا، لكنه يحذّر من أن "المعلومات عن تمركز القوات الجزائرية في قاعدة ماداما شمال النيجر تثير مخاوف من وجود عسكري جزائري مباشر على مقربة من الحدود الجنوبية الليبية، وهو ما قد يمثّل مصدر قلق واستفزاز لليبيا". ويعبّر الغرياني عن أمله في ألا يكون الهدف استفزاز ليبيا أو الدخول معها في صراع جديد، منتقداً ما يعتبره غياب دور جزائري فاعل في تسوية الأزمة الليبية، والتحرّك أحياناً بصورة توحي بدعم طرف على حساب آخر. صدام حفتر يتفقّد قاعدة الواو العسكرية جنوب ليبيا، 19 تشرين الأول/أكتوبر 2026. (القيادة العامة) يرى الأكاديمي المتخصص في العلاقات الدولية والتهديدات الأمنية يوسف الفارسي أن التحرّك الجزائري يعكس سعياً إلى تعزيز النفوذ الإقليمي وحماية المصالح الاقتصادية والأمنية. ويحذّر من احتمال إعادة ترتيب التوازنات السياسية والعسكرية في الساحل، بما قد يفتح المجال أمام تنافس جديد بين القوى الفاعلة. ويلفت الفارسي إلى أن تشديد الرقابة العسكرية في شمال النيجر قد يدفع شبكات التهريب والهجرة غير النظامية إلى تغيير مساراتها نحو الداخل الليبي، إذا غاب التنسيق الأمني الفاعل بين الدول المعنية. بدوره، يعتبر المحلل الليبي المتخصص في الشؤون السياسية والاستراتيجية محمد امطيريد أن القرار يكشف تحوّلاً مهماً في العقيدة العسكرية الجزائرية، خصوصاً أن الجزائر عارضت انقلاب النيجر عام 2023 وتمسكت حينها بالمسار الدستوري، قبل أن تعيد بناء علاقاتها مع السلطة العسكرية. ويرى أن هذا التحوّل يعكس تقدّم حسابات المصالح والنفوذ على المواقف السياسية السابقة. ويحذّر امطيريد من أن اختيار قاعدة ماداما يمنح التحرّك أبعاداً تتجاوز الأراضي النيجرية، إذ قد يعيد تشكيل موازين النفوذ في المثلث الحدودي بين ليبيا والنيجر والجزائر. وتتزايد حساسية هذا الاحتمال مع حضور الجيش الوطني الليبي في فزان والمناطق الحدودية، في ظل توترات سابقة مع الجزائر بشأن تحركات عسكرية ليبية قرب مناطق تعتبرها الأخيرة امتداداً لمجالها الأمني. ويؤكد امطيريد أن ليبيا لا تحتاج إلى صراع جديد مع الجزائر، لكنها تحتاج إلى موقف سيادي واضح يرفض الترتيبات الإقليمية التي تتجاهل مصالحها الأمنية. يحذّر رئيس المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية شريف بوفردة من خطورة الفراغ الأمني في الجنوب الليبي، معتبراً أن غياب مؤسسة عسكرية وأمنية موحّدة يتيح للقوى الإقليمية توسيع حضورها في ملفات الحدود والطاقة والنفوذ. وفي تصريح خاص لـ"النهار"، يوضح أن الجزائر تنظر إلى الجنوب الغربي الليبي باعتباره امتداداً لأمنها الاستراتيجي وعمقها القومي، ما يدفعها إلى تعزيز حضورها في محيطه. ويربط بوفردة التنافس الأمني بمشاريع نقل الغاز نحو أوروبا، في ظل سعي الجزائر إلى ترسيخ موقعها مركزاً إقليمياً للطاقة، مقابل الإمكانات الليبية في حوض غدامس