في المعرض الاستعادي الثاني للفنان الراحل جاسم الفضل ( تشرين الاول، جمعية فناني البصرة) عرضت أسرةُ الفنان عدداً من لوحاته القديمة، ذات المسحة الرمزية، والمناخ القاتم لفترة الحرب. ويقول ابن الفنان (زياد) إن أباه كثيراً ما يرسم عدة نسخ للوحة الواحدة، كاللوحة التي نعرضها، وكأنه يستعيد كابوساً متسلسلاً، يحاول إزاحة ضغطه على وجدانه وشعوره المعذَّب. في هذه اللوحة، ثمة تأطير لوضع عائلي، أمومي، مسخ لفظته الحرب في هيئة طائر، كان حريّاً بالفنان أن يرعاه ويشمله بنظرة أخيرة، قبل وفاته في أيلول 2022. كانت قتامة المصير الفردي والجماعي للبلاد، قد أنجبت مسوخاً، لا هوية لهم، سوى ما يمكن ردّه إلى لعنة أساطيرية لحقت بالخيال الاسترجاعي لأمثالهم. زجَّ الفنان بواحد من هذه المخلوقات كما تُزجّ في عرض مثاليّ، داخل متحف انثربولوجي، يغلب عليه لون الموت البنيّ. وفي تعبير نادر عن الفزع والرعب، ركّز الفنان على التقاطيع الجامدة لوجهي الأمّ ومسخها، في لفتة جانبية، حادّة الزاوية، مُفرغَة من الاكتراث. يعمد الفنان إلى حصر كائناته المختارة، داخل أُطُر خادعة. فاللوحة مهما صغرت أبعادها، كهذه اللوحة (45× 60 سم) فإنّه يصنع منها نسخةً أخرى مؤطَّرة بإطار أصغر منها. ويستمرّ هذا الإيهام بتركيز بصَريّ، حد إيهام الناظر إليها باحتجازه داخل كابوسها المتصاغِر إلى ما لا نهاية من النُسخ الصغيرة. ويعبّر هذا التصغير/ التركيز عن قطع العلاقة بأيّ رابط إنساني وأخلاقي يُلزم الأمّ برعاية المسخ الذي تتبناه وترعاه، سوى ما يبدو إلزاماً بصَرياً ووهماً من أوهام التأطير العائلي، وقت الحرب. إنّ ما عُرِض من لوحات جاسم الفضل، في هذا المعرض الاستعادي، لا يعدو انزياحات لذلك الوضع الأمومي من فترة الحرب: احتضان جامد، لون كامد، وحشة وتصغير... استنفاد لإرث الواقعية الأكاديمية، المشتَّت بقسوة ولا مبالاة. لكنّ هذا الوضع الأمومي، يشير من جهة ثانية إلى يقظة الضمير الإنساني والأخلاقي حيال ما ظننّاه تفكّّكاً أسريّاً، وعلائقَ اجتماعية، وإرثاً تصويرياً امتلكت المدرسة البغدادية أكثره، حتى منتصف القرن الماضي. إنّها يقظتنا أيضاً، نحن المشاهدين المحتجَزين في قاعة المعرض الاستعادي، داخل أطُر اللوحات بتركيز وقصد، المجذوبين إلى عالمها المتصاغِر، أو إلى فجوتها التعبيرية الصادمة!