تغري فرص الثراء السريع الكثيرين، ويزداد بريقها حين تتطلب قليلاً من الجهد والمال، وقد تبدو أكثر إغراءً لبعضهم، إذا شعروا براحة الضمير تجاه ما يفعلونه. وينطبق جانب من ذلك على التنقيب غير المشروع عن الآثار والاتجار بها في مصر. فحين ينظر الباحث عن الثراء إلى الجهد الذي يتطلبه الوصول إلى "الكنوز" المدفونة في باطن الأرض، يجد أن الجهد لا يُذكر مقارنة بالراحة التي يتخيّل أنه سينعم بها بقيّة حياته. أما المال الذي ينفقه، فهو زهيد مقابل الثروة الباهظة التي "تنتظره". وتأتي "راحة" الضمير، بدرجات تتفاوت من شخص لآخر، بحسب درجة وعيه واطلاعه. لكن في كل الأحوال، ثمة خطاب ديني متغلغل في المجتمع المصري، روّجته تيارات الإسلام السياسي، على مرّ عقود، يركز على "راحة" الضمير، أو بصيغة أكثر دقة، تخديره أو تغييبه تماماً. ويرى كبير الأثريين في وزارة السياحة والآثار المصرية الدكتور مجدي شاكر أن الخطاب الديني الذي روّجته تيارات سلفية بكثافة، في أعقاب أحداث 25 كانون الثاني/يناير 2011، ليس هو العامل الوحيد. ويقول لـ"النهار": "من قرّر نهب الآثار سيفعل، سواء وجد ذلك الخطاب أو لم يوجد، وإن كان الترويج له نشط بشكل ملحوظ، في أعقاب الثورة، وتوغل في بعض المناطق". ومع عدم توافر إحصائيات موثوقة عن عدد عمليات التنقيب عن الآثار خارج إطار القانون هنا، أو دراسات تحدد درجة مساهمة هذا الخطاب في مجمل الجرائم التي تُرتكب، فإن البيانات التي تنشرها وزارة الداخلية المصرية، بشكل متكرر، للإعلان عن ضبط المنقبين والتجار غير الشرعيين في الآثار، تعطي مؤشراً إلى تكرار الجريمة، وترسم القصص المتداولة في وسائل الإعلام ومواقع التواصل صورة لموقع الخطاب الديني التقليدي في المشهد. صورة خاصة بأحد بيانات وزارة الداخلية المصرية (وزارة الداخلية) المزادات وإغراءات الثراء السريع يعتقد شاكر أن ارتفاع قيمة القطع الأثرية التي تعود إلى عصور قدماء المصريين، والتي تُعرض في مزادات خارج مصر، له دورٌ في إغراء المنقبين غير الشرعيين بالبحث عن الآثار. ويقول شاكر: "نلاحظ أن هذا لا يقتصر على الطبقات الفقيرة، أو في مناطق معينة، ولكنه للأسف ينتشر في كثير من المناطق والطبقات الاجتماعية. لذا نطالع في وسائل الإعلام، بشكل شبه يومي، أخباراً عن ضبط أشخاص يحفرون أسفل منازلهم، يبحثون خلسة عن الآثار، أو تنهار عليهم التربة خلال عمليات الحفر. وثمة "مافيا" تدير تلك التجارة غير المشروعة في الداخل والخارج". ويشير كبير الأثريين إلى أن كثيراً من عمليات البحث تشمل ممارسات خرافية، مثل السحر باستخدام "الزئبق الأحمر"، وما يُعرف بـ"الرصدة" أو الجن الحارس الذي سُخّر لحماية المقابر المصرية القديمة، وإصابة من يحاول نهبها باللعنة، واللجوء إلى شيوخ يقومون بفك هذا السحر باستخدام الطلاسم. ويضيف: "ما زالت تلك الجرائم تحدث رغم الجهود التي تبذلها الدولة للتصدّي لها وتشديد العقوبات المفروضة على مرتكبيها". صورة من مقطع فيديو للشيخ محمد حسان يفتي فيه بأن الاستحواذ على الآثار حلال باعتبارها ركازاً (النهار) خطاب ديني يواجه الفتاوى الرسمية يتلاعب الخطاب الذي تتبنّاه حركات الإسلام السياسي، بمفهوم فقهي قديم (الركاز)، ويعتبر الآثار التي هي إرث حضاري ووطني وإنساني لا يُقدَّر بثمن، "ركازاً". كذلك، يهاجم مروّجو ذلك الخطاب الفتاوى المعاصرة التي تتبنّاها المؤسسات الإسلامية الرسمية في مصر، وهي الأزهر ودار الإفتاء ووزارة الأوقاف، والتي تحرّم التنقيب والاتجار غير المشروع بالآثار. ويرى الإمام والخطيب في وزارة الأوقاف المصرية والباحث الأكاديمي في قسم بحوث التراث وعلم المخطوطات بمعهد البحوث والدراسات العربية الشيخ أسامة إبراهيم أن تحديد الحكم الفقهي المتعلق بالآثار يقتضي أولاً التمييز بين مفاهيم محددة. ويقول الشيخ إبراهيم لـ"النهار": "ينبغي التمييز بين أربعة أشياء: 1- الركاز: وهو مال مدفون في الأرض من دفائن الجاهلية، وفق التعريف الفقهي المشهور. 2- الآثار التاريخية: بقايا مادية ذات قيمة حضارية، مثل التماثيل والنقوش والمقابر والعملات القديمة والمخطوطات". ويضيف: "3- الملكية الخاصة: حق الشخص في أرض أو عقار وفق النظام القانوني المعاصر، ولا يلزم منه تلقائياً امتلاك كل ما يوجد في باطن الأرض. 4- التراث الوطني: الآثار بوصفها جزءاً من الذاكرة التاريخية والهويّة الحضارية والمصلحة العامة للدولة والمجتمع". ويخلص من تلك التعريفات، إلى أن الخلط بين المفاهيم الأربعة يؤدي إلى تطبيق أحكام الركاز على الآثار من دون مراعاة اختلاف السياق القانوني والحضاري المعاصر. ويقول: "ليس كل ما يُستخرج من الأرض ركازاً بالمعنى الفقهي القديم، وليس كل ما كان ركازاً في التصنيف القديم يساوي الآثار الأثرية في التصنيف القانوني والحضاري الحديث". صور لعملية تنقيب بمنطقة البر الشرقي بمحاف