لم يعد التنمّر محصورًا داخل أسوار المدرسة، ولا ينتهي مع مغادرة التلميذ صفّه والعودة إلى منزله. فمن سخرية أو إقصاء أو تعليق جارح من الرفاق داخل الصف أو في باحة المدرسة، قد ينتقل الأذى معه إلى المنزل عبر هاتفه، بصورة تُتداول بين زملائه، أو معلومة شخصية تُنشر من دون موافقته، أو تشهير يستمر عبر مواقع التواصل الاجتماعي. وبينما يربط بعض الأهالي، انطلاقًا من تجارب أبنائهم، تفاقم الظاهرة بالمدارس التي تضم طلابًا من بيئات ميسورة، حيث تتحوّل أحيانًا الماركات وأحدث الهواتف، و"الترندات" والقدرة على مجاراتها إلى مادة للمقارنة والتفاخر بين التلامذة، يطرح ذلك سؤالًا، هل يمكن للفوارق الاجتماعية أن تُصبح مدخلًا للسخرية والإقصاء والتنمر على من لا يستطيع مجاراة زملائه، أم أن الظاهرة عابرة للمدارس والطبقات الاجتماعية؟ الأرقام تعكس حجم المشكلة. فقد أظهرت نتائج برنامج التقييم الدولي للطلاب "PISA 2025"، الصادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية "OECD"، أنّ 33 في المئة من الطلاب في لبنان، أفادوا بتعرضهم لشكل واحد على الأقل، من أشكال التنمّر بضع مرات شهريًا أو أكثر، مقارنة بـ20 في المئة كمعدل في دول المنظمة. وترى الأخصائية في علم النفس الاجتماعي الدكتورة فريال عبد الله، أن "الأرقام المتعلقة بالتنمّر في لبنان مرتفعة جدًا"، معتبرة أن تفسيرها لا يمكن فصله عن الظروف التي نشأ فيها الجيل الحالي من المراهقين، والذي عايش خلال سنوات قليلة "أزمة كورونا" و"التعلّم عن بُعد"، و"الأزمة الاقتصادية"، و"انفجار مرفأ بيروت" و"الحرب". تصف عبد الله هؤلاء بأنهم "جيل الإحباط"، وتقول إنهم عاشوا سلسلة من الأزمات، في وقت لا يعرف كثيرون منهم إلى أين يتجه مستقبلهم أو كيف يمكنهم تحقيق أحلامهم. وترى أن تراكم الضغوط الاقتصادية والنفسية داخل الأسر، إلى جانب مشاهد العنف وخطاب الكراهية ورفض الآخر، قد يدفع بعض المراهقين إلى تفريغ غضبهم وإحباطهم عبر "التنمّر". إذا كان التنمّر المدرسي ظاهرة قديمة، فإن وجهه الآخر بات أكثر حضورًا مع انتشار الهواتف ووسائل التواصل الاجتماعي. فالطالب الذي كان يستطيع الابتعاد عن مصدر الأذى بمجرد مغادرة المدرسة، قد يجد نفسه اليوم أمام إساءة تلاحقه إلى منزله، من خلال صورة يجري تداولها، أو معلومة شخصية تُنشر، أو شائعة أو تعليق مُهين ينتشر بين زملائه. تظهر أرقام "PISA 2025" هذا الوجه أيضًا، إذ أفاد نحو 13 في المئة من الطلاب في لبنان، بأن معلومات مزعجة عنهم نُشرت عبر الإنترنت من دون موافقتهم، بضع مرات شهريًا أو أكثر خلال الأشهر الـ 12 السابقة، مقابل 3 في المئة كمعدل في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. تعتبر عبد الله أن التنمّر الإلكتروني أكثر صعوبة، خصوصًا مع الاستخدام شبه الدائم للهواتف ووسائل التواصل وضعف الرقابة الأسرية. وتلفت إلى أن المراهقة مرحلة أساسية في تكوين "مفهوم الذات" وصورة المراهق عن نفسه وجسده، وبالتالي فإن السخرية المتكررة من شكله أو وزنه أو أي اختلاف لديه يمكن أن تترك أثرًا مباشرًا في هذه الصورة. قد تظهر تداعيات التنمّر، من خلال الانسحاب والعزلة الاجتماعية، فضلًا عن أعراض نفسية-جسدية واضطرابات في السلوك الغذائي. هنا تحذّر عبدالله، من أن "أثر التنمّر لا ينتهي بانتهاء الموقف نفسه، بل قد ينعكس على قدرة الضحية على الاندماج وبناء العلاقات الاجتماعية." مشكلة التنمّر ليست في لبنان وحده. فقد أظهرت دراسة لمنظمة الصحة العالمية شملت أكثر من 279 ألف طفل ومراهق في سن 11 و13 و15 عامًا في 44 دولة ومنطقة في أوروبا وآسيا الوسطى وكندا، أن نحو 11 في المئة تعرضوا للتنمّر في المدرسة، فيما أفاد 15 في المئة بتعرضهم للتنمّر الإلكتروني. وقد تتجاوز تداعيات التنمّر العزلة والانسحاب الاجتماعي إلى مستويات أكثر خطورة. فقد أظهر تحليل شمولي نشرته مجلة "JAMA Pediatrics"، وشمل عشرات الدراسات ومئات آلاف الأطفال والمراهقين، أن ضحايا التنمّر كانوا أكثر عرضة بنحو 2.23 مرة للأفكار الانتحارية، وبنحو 2.55 مرة لمحاولات الانتحار مقارنة بغير المتعرضين له. كما ظهر ارتباط أقوى بين التنمّر الإلكتروني والأفكار الانتحارية مقارنة بالتنمّر التقليدي. إلا أن الباحثين يشددون على أن هذه النتائج تثبت وجود ارتباط وعامل خطر، ولا تعني أن التنمّر وحده هو سبب الانتحار، الذي تتداخل فيه عوامل نفسية واجتماعية وأسرية متعددة. وتشير منظمة "اليونسكو" بدورها إلى أن نحو واحد من كل ثلاثة طلاب يتعرض للتنمّر في المدرسة شهريًا على مستوى العالم، ما يعكس حجم المشكلة واتساعها، وإن كانت نسبها وأشكالها تختلف بين مجتمع وآخر. أما المواجهة، فترى عبد الله أنها تبدأ من المنزل قبل المدرسة، من خلال عدم السماح بالتنمّر بين الإخوة أو السخرية من الآخرين، وتعليم الطفل تقبّل الاختلاف، سواء تعلق بالشكل أو الوزن أو المست