شكّل التصويت العربي الجارف في الانتخابات الاسرائيلية واحدة من أهم علاماتها الفارقة ومفاجآتها المدوية، بعدما تجاوز كل التوقعات وبدا أقرب إلى انتفاضة شعبية في صناديق الاقتراع، باغتت المجتمع الإسرائيلي عموماً واليمين المتطرّف خصوصاً. استكشفالتاريخ «الدفرسوار» العربي النوعي في الكنيست سيسمح للأقلية الفلسطينية في أراضي 48 بامتلاك أدوات أكثر نجاعة في نزاع البقاء وسيمنحها فرصة لتحسين ظروفها المعيشية والاجتماعية انطوت معدّلات تصويت الفلسطينيين العرب داخل الخط الأخضر ونسبة المقاعد التي فازوا بها في انتخابات الكنيست، على مفاجأة كبيرة للبعض ممن كانوا يعتبرون أنّ دور هذه الشريحة هو ثانوي وهامشي في الأراضي المحتلة. وكان لافتاً، أنّ منسوب الاقتراع في البلدات والمدن الفلسطينية في أراضي 1948 وصل إلى نحو 80 في المئة، وهو رقم قياسي غير مسبوق على مستوى كل الدورات الانتخابية السابقة، ما سمح للأحزاب العربية بتحقيق نتيجة تاريخية من خلال انتزاع 19 مقعداً في الكنيست الجديد، حيث نالت القائمة العربية المشتركة 12 مقعداً، والقائمة العربية الموحّدة 7 مقاعد. وهناك من يتوقع أن تشكّل الكتلة العربية الرقم الصعب وبيضة القبان في معادلات الأكثرية والأقلية، خصوصاً أنّ الكنيست الذي يضمّ 120 عضواً، يتوزع على قوى مبعثرة، لا يملك أي منها أكثرية الـ61 صوتاً، وإن كان حزب الليكود برئاسة بنيامين نتنياهو أكبرها عدداً، إلّا أنّه عدد مكبّل ويحتاج إلى تحالفات إلزامية، حتى يصبح بالإمكان صرفه سياسياً، خصوصاً أنّ الحصة الوازنة للقائمتين العربيتين، ساهمت في إضعاف قدرة نتنياهو على تشكيل حكومة يمينية وقومية صافية، كما فعل في المرّة الماضية، عندما نال معسكره 64 مقعداً. وقد دفع الإقبال الكثيف على التصويت في صفوف الناخبين الفلسطينيين، نتنياهو ومعسكره اليميني المتطرّف، إلى دقّ النفير واستنفار غرائز الناخبين الإسرائيليين كي يُقبلوا على الاقتراع بكثافة، لاحتواء مفاعيل هذه الموجة المضادة داخل الأراضي المحتلة، وتقليص تأثيرها على النتائج الإجمالية للانتخابات والتوازنات التي ستفرزها. ووصل الأمر بنتنياهو إلى درجة التحذير من أنّ إسرائيل تواجه خطراً داهماً، نتيجة المنحى الذي اتخذته الأرقام في بعض مراحل الاقتراع، منبّهاً إلى تداعيات تشكيل حكومة بديلة عن اليمين، تضمّ منافسيه من معسكر غادي آيزنكوت، وتعتمد على القوائم العربية، علماً أنّ نتنياهو يعرف في قرارة نفسه انّ مثل هذا الخيار ليس سهلاً لأسباب موضوعية، غير انّه تعمّد شيطنته والتخويف منه، بغية تحريض الناخبين على الاقتراع لمصلحة معسكره من جهة، وقطع الطريق على فرضية التعاون بين آيزنكوت والكتلة العربية لتشكيل حكومة جديدة من جهة أخرى. تحليلسياسي وللدلالة إلى الانفعال والتوتر اللذين أصابا اليمين الإسرائيلي، بعدما صدح الصوت العربي في صناديق الاقتراع، ذهب حزب الليكود في ردّ فعله إلى حدّ الإدّعاء، بأنّ الانتخابات تعرّضت للسرقة من قوائم عربية تدعم الإرهاب وتسعى إلى تدمير الدولة اليهودية، معتبراً انّ ما حصل اعتداء خطير على الديموقراطية الإسرائيلية. ومن الواضح أنّ نتنياهو نفسه وحلفاءه المتطرّفين في الحكومة، كانوا هم «حلفاء» القائمتين العربيتين وساعدوهما في معركتهما الانتخابية، إذ إنّ سياساتهم العنصرية والدموية هي التي حفّزت الناخبين الفلسطينيين في أراضي 48 على المشاركة الكثيفة في التصويت، سعياً إلى إقصاء اليمين المتطرف عن السلطة، بعدما عانوا منه الأمرّين في السنوات السابقة، التي ازدادت خلالها نسبة الفقر وأشكال التضييق والجريمة المنظمة وأعمال الهدم وسياسة التمييز. وبهذا المعنى، وجدت الشريحة العربية المهمشة والمستنزفة، في رفع منسوب الإقبال على الانتخابات، أفضل طريقة للانتقام من نتنياهو ورموز اليمين المتطرّف، وللردّ على فوقيتهم وعنصريتهم في صناديق الاقتراع، إضافة إلى الثأر للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة. وعلى الفور، أهدى عضو الكنيست السابق أسامة السعدي الإنجاز الكبير الذي حققته القائمة العربية المشتركة، إلى أهالي قطاع غزة والضفة الغربية، مخاطباً وزير الأمن القومي بالقول: «بن غفير برّا..» بينما تعهّد رئيس القائمة أحمد الطيبي بأن لا يتولّى بن غفير منصباً وزارياً في الحكومة المقبلة. وانعكاساً للنزاع الحاد الذي يتجاوز الحدود الانتخابية إلى مسألة الهوية، صرّح وزير المال المتطرف بتسلئيل سموتريتش، انّ «العرب يحتفلون اعتقاداً منهم بأنّهم سينجحون في منع إقامة تجمعات يهودية في غزة، وقلب ثورة الاستيطان بالضفة. ولكنهم لن ينجحوا». ومن المؤكّد انّ «الدفرسوار» العربي النوعي في الكنيست، سيسمح للأقلية الفلسطينية في أراضي 48 بامتلاك أدوات أكثر نجاعة في نزاع البقاء، وسيمنحها فرصة لتحسين ظروفها المعيشية والاجتماعية، إلى جانب التأثير على القوانين. وبذلك، يكو