تبدو الذاكرة المالية في لبنان قصيرة على نحو لافت. فالبعض ينسى، والبعض الآخر يراهن على النسيان. لذلك يجب التذكير بآليات الأزمة، كي لا يحل تفسير سهل ومختصر مكان حقيقة الحسابات. في 26 تشرين الأول 2026، خضع حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة لاستجواب استمر نحو ساعتين أمام المحامية العامة التمييزية القاضية سمرندا نصار، في إطار التحقيق في شراء رجل الأعمال علاء الخواجة حصة تبلغ 42 في المئة من بنك ميد مقابل 535 مليون دولار. وفي ختام الجلسة، صدر قرار بمنعه من السفر. وهو لا يزال موقوفاً ويتلقى العلاج في مستشفى ضهر الباشق الحكومي في إطار ملف آخر. يسعى التحقيق إلى معرفة ما إذا كانت هذه الصفقة، التي يُشتبه في أنها موّلت بقرض من بنك عوده، قد ترافقت مع تمويل بقيمة مقاربة منحه مصرف لبنان لهذا البنك، وما إذا كانت أموال المصرف المركزي قد استُخدمت لمصلحة جهات خاصة. وحتى الآن، نحن أمام شبهات قيد التحقيق. ومنع السفر تدبير احترازي، وليس إدانة أو اعترافاً. ويبقى رياض سلامة متمتعاً بقرينة البراءة. التذكير بذلك لا يعني الدفاع عن إدارته. فأنا لا أطالب بتبرئته إعلامياً، ولا بإدانته شعبياً. ما أطالب به هو أن يحدد القضاء مسؤوليته المحتملة، كما يحدد مسؤولية جميع الأطراف الأخرى، وأن يجري أخيراً تتبع أموال المودعين. لكن رواية مبسطة ترسخت، وأحياناً في بعض التعليقات الصحافية، مفادها أن رياض سلامة أجبر المصارف على تسليم أموال المودعين إلى مصرف لبنان، ثم أعاد المصرف المركزي إقراضها للدولة. إن تقديم هذه الرواية باعتبارها تفسيراً شاملاً للأزمة هو أمر غير دقيق. هنا لا بد من التمييز. فعندما كانت المصارف تكتتب بسندات الخزينة وباليوروبوندز، كانت تموّل الدولة اللبنانية مباشرة. فهذه السندات كانت تصدرها الجمهورية اللبنانية تحت مسؤولية وزارة المالية. وقد يتولى مصرف لبنان تنظيم بعض الاكتتابات أو تسويتها وحفظ السندات من الناحية الإجرائية، لكن ذلك لا يجعله الجهة المصدرة ولا المدين. وفي هذه الحالات، كان المدين هو الدولة اللبنانية. أما شهادات الإيداع، فكان يصدرها مصرف لبنان. وعندما كانت المصارف تكتتب بها، كانت تصبح دائنة للمصرف المركزي. وبالتالي، كان هناك على الأقل مساران ماليان، وفئتان من الديون، ومدينان مختلفان. إن الخلط بين هذه الآليات يمنع معرفة أين ذهبت الأموال. والتمييز بينها لا يبرئ أحداً، بل يسمح بتحديد من تسلم الأموال، ومن استخدمها، ومن تقع عليه المسؤولية القانونية عن كل فئة منها. أما القول إن رياض سلامة أجبر المصارف شخصياً على هذه التوظيفات، فيجب إثباته بقرارات أو مستندات واضحة. فالفوائد المرتفعة والحوافز المالية واعتماد المصارف على منظومة مصرف لبنان يجب التحقيق فيها، لكنها لا تثبت تلقائياً وجود إلزام شخصي فرضه الحاكم. الأزمة اللبنانية لم تولد من توقيع واحد. أعدت الحكومات الموازنات، وأقرتها المجالس النيابية المتعاقبة، واستدانت الدولة، واختارت المصارف توظيفاتها، ونفذ مصرف لبنان سياسات يجب تدقيق نتائجها. وعلى كل جهة أن تتحمل مسؤولية قراراتها. ولا يجوز أيضاً تجاهل المادة 113 من قانون النقد والتسليف. فهي تنص على أن خسائر مصرف لبنان السنوية تغطى أولاً من الاحتياط العام، وإذا كان غير كاف، تغطى الخسارة بدفعة موازية من الخزينة. وهذه القاعدة تنظم العلاقة المالية بين مصرف لبنان والدولة، ولا تضمن تلقائياً كل وديعة. لكن لا يمكن توزيع الخسائر بعدالة من دون تحديد التزامات الخزينة المحتملة وكيفية تمويلها. حتى إدانة شخص واحد، إذا صدرت مستقبلاً، لن تكون كافية لإعادة الودائع، ولن تلغي الالتزامات المحتملة للدولة أو مصرف لبنان أو المصارف التجارية. يريد المودعون معرفة حجم الأموال التي أقرضت للدولة، وحجم الأموال التي وُظفت لدى مصرف لبنان، والمبالغ التي حُولت، ومن استفاد منها، وما هي الأصول التي لا يزال من الممكن استردادها. ولا يمكن الإجابة عن هذه الأسئلة إلا بتدقيق مستقل وشامل وشفاف يميز بين مسارات الأموال والمستفيدين والمدينين والمسؤوليات، بدلاً من جمع الخسائر ثم تحميلها للمودعين. إن الدفاع عن قرينة البراءة لرياض سلامة لا يعني الدفاع عن إدارته. والمطالبة بوصول التحقيقات المتعلقة به إلى نهايتها يجب ألا تسمح أيضاً لسائر المسؤولين بالاختفاء وراء اسمه. المودعون لا يطلبون اسماً يُرمى أمام الناس. إنهم يطلبون حقيقة الحسابات، وتحديد مسؤولية كل طرف، واستعادة حقوقهم. التحقيق مستمر، وجميع الأشخاص المذكورين يبقون أبرياء حتى تثبت إدانتهم. لكن المال لا بد أن يترك أثراً، وقد حان الوقت لمتابعة هذا الأثر حتى النهاية. - أنطوان منسى- مؤسس والرئيس السابق لتجمع رجال الأعمال اللبنانيين في فرنسا