تدل التطورات الأخيرة في الملف الأوكراني على أن احتمال التسوية الناقصة أو المفروضة يلوح في الأفق على مسافة أربعة أشهر من الذكرى الخامسة لحرب استنزاف منهكة، طويلة وباهظة الثمن. ويفسر تضافر حاجة الأطراف إلى ترتيب الخروج من المأزق، تسارعاً في الجهود ويساعد على ذلك تسلسل عدة مواعيد سياسية في الشهرين القادمين: انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة في الثالث من تشرين الثاني/ نوفمبر، قمة قادة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ (APEC) في 18-19 تشرين الثاني/ نوفمبر 2026 في مدينة شينزين بالصين مع إمكانية عقد قمة ثلاثية صينية-أميركية-روسية، وأخيراً قمة العشرين في ميامي المقرر عقدها في الفترة من 14 إلى 15 كانون الأول/ ديسمبر 2026. ولذا من المرجح أن تكون الفترة الفاصلة بين قمة شينزين وقمة ميامي فرصة نسج أسس التسوية الأوكرانية على حساب أوروبا الغائب الأكبر عن سيناريو "يالطا الثانية" الذي يمكن أن يتحقق إذا بدأ نجاح المقايضة حول أوكرانيا. أقدم الرئيس دونالد ترامب قبل أسابيع قليلة من انتخابات التجديد النصفي على الاتفاق مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين بشأن تصدير وقود الديزل إلى الولايات المتحدة، وهو ما سيسهل على الروس تمويل حربهم. وأتى ذلك بعد وقف المساعدات الأميركية المقدمة لأوكرانيا. وأعقب قرار الديزل تقليص استخدام الأقمار الصناعية التابعة لشبكة "ستارشيلد" (Starshield) العسكرية (من مجموعة ستارلينك) التي يملكها صديق ترامب إيلون ماسك وكانت تُستخدم لرصد الصواريخ الروسية المتساقطة على كييف. علاوة على ذلك، سعى ترامب إلى إضعاف زيلينسكي من خلال طرح فكرة إجراء انتخابات رئاسية جديدة في أوكرانيا، وهو المطلب ذاته الذي ينادي به الرئيس الروسي. واللافت أن إجراءات واشنطن الأخيرة تم الإعلان عنها في وقت كان من المفترض فيه أن يناقش المبعوثون الروس والأوكرانيون سبل السلام في ولاية فلوريدا. ومما لا شك فيه أن هذه القرارات الترامبية تمثل تضحية بأوكرانيا وبزيلينسكي. ووصل الأمر بالكاتب توماس فريدمان للقول إن "مقايضة الديمقراطية بالديزل وصمة عار على الأميركيين جميعاً". وأضاف أن ذلك يمثل "تخلياً عن القيم الديمقراطية التي طالما شكلت أساس السياسة الخارجية الأميركية". وإلى جانب الإجراءات الواردة أعلاه، تم عملياً تحييد "قانون غراهام" جزئياً، وكل ذلك كرس الانطباع بأن ترامب ربما يجعل من زيلينسكي كبش فداءٍ للحرب. تمثل هذه التطورات منعطفاً في تاريخ الحرب في أوكرانيا، وهي ضربة موجعة كونها تحمل بصمة الأميركيين. إذ يرى ترامب أنه لكي ينقذ نفسه في انتخابات منتصف الولاية المقبلة، عليه التضحية بأوكرانيا؛ في إطار رؤية قصيرة المدى. في مواجهة هذه المستجدات، أعرب زيلينسكي، عن أسفه لفقدان شريكٍ وازنٍ، وعن أسفه لاختيار الأميركيين الجانب الخاطئ من التاريخ. بالطبع، سيسعى الرئيس الأوكراني للاعتماد على الأوروبيين الحاضرين في الميدان لدعمه، لكن القمة الأوروبية الأخيرة كشفت عن عدم قدرة على التعويض عن الدعم الأميركي خصوصاً أنه تلوح في الأفق نذرُ مشكلات، مثل رغبة بعض دول الاتحاد في خفض المساعدات المقدمة لأوكرانيا. يمكن للقمة الثلاثية بين الكبار (أميركا، الصين وروسيا) إذا انعقدت في شينزين أواسط تشرين الثاني/ نوفمبر، أن تشكل انعطافة في معالجة النزاعات الدولية وأن تفتح الباب أمام مفاوضات مثمرة حول الملف الأوكراني وذلك في الفترة الفاصلة عن قمة ميامي أواسط كانون الأول/ ديسمبر المقبل. تحضيراً لإطلاق المسار التفاوضي، أتت تحركات المبعوث الأميركي الرئاسي ستيف ويتكوف للتشاور حول أسس صيغة المفاوضات الثلاثية الأميركية - الروسية- الأوكرانية، لكي تمهد لتسوية مستدامة وليس لاتفاقات جزئية أو مرحلية. خلافاً لإيحاء ترامب الدائم بقرب النجاح في التوصل للتسوية، وبالرغم من المؤشرات المتعلقة باستئناف الحوار، لا تزال الخلافات الجوهرية بين موسكو وكييف تشكل العقبة الرئيسية أمام التوصل إلى اتفاق. وتتمثل أبرز هذه الخلافات في مستقبل الأراضي الأوكرانية التي تسيطر عليها روسيا، وشكل الترتيبات الأمنية التي ستلي أي وقف للقتال، فضلاً عن الضمانات التي يمكن تقديمها لمنع تجدد المواجهات. ومقابل تمسك سيد الكرملين بنصر ناجز نتيجة لـِ "العملية الخاصة" التي شنها في 24 شباط/ فبراير 2022 وحصاد حرب الاستنزاف الطويلة، يرفض الرئيس الأوكراني الاعتراف قانونياً بضم الأراضي التي تحتلها روسيا. من جهتها تشدد موسكو على ضرورة التوافق على الوضع الاستراتيجي لأوكرانيا خارج الناتو وخارج الاتحاد الأوروبي! ولا يقتصر الخلاف على الحدود والسيطرة الميدانية، بل يمتد إلى طبيعة النظام الأمني الذي سيحكم العلاقة بين الطرفين بعد الحرب. فموسكو تسعى إلى ترتيبات تراعي مطالبها الأمنية وتحدّ من المخاطر التي تقول إنها تواجهها، في حين تطالب كي