لم تعد أزمة موظفي القطاع العام في لبنان تقتصر على التراجع الحاد في القدرة الشرائية وتآكل الرواتب والأجور تحت وطأة التضخم وارتفاع كلفة المعيشة، بل باتت تشمل أيضًا محدودية قدرة التحركات النقابية على فرض حلول جذرية تنهي سنوات من التدهور المعيشي والوظيفي. فالإضرابات المتكررة، على الرغم من انعكاساتها على سير العمل في الإدارات العامة، لم تنجح حتى الآن في إحداث التحوّل المطلوب في سياسة معالجة الأجور والتعويضات. يبرز سؤال جوهري حول أسباب غياب تحرّك احتجاجي واسع وموحّد على مستوى العمال والموظفين، قادر على ممارسة ضغط فعلي على الحكومة، ولا سيما في ظل تعدّد الروابط النقابية واستمرار تباين مواقفها، بما يثير تساؤلات حول قدرتها على توحيد صفوفها وتجاوز التحركات المحدودة نحو مواجهة أكثر تنظيمًا وتأثيرًا. وبين تريّث تفرضه الظروف الأمنية والاقتصادية، ومحاولات إعادة تقييم التجارب السابقة، يبدو أن معركة القطاع العام لم تعد تتعلق بالمطالب وحدها، بل أيضًا بآليات فرضها وبناء تحالف نقابي واجتماعي أوسع يستطيع نقل المواجهة من الإضرابات المتفرقة إلى مسار ضاغط ومستدام. في هذا السياق، يؤكد ممثل تجمّع روابط القطاع العام إبراهيم نحال، لـ "نداء الوطن"، أن "المطالب لا تزال على حالها، وأن التجمّع لم يتخلَّ عنها"، لكنه يوضح أن "المرحلة الراهنة تتطلب إعادة تقييم للتحركات السابقة والتحضير لتحرّك أوسع، تشارك فيه القوى النقابية والمدنية والعسكرية والفئات المتضررة من السياسات الاقتصادية، وصولا إلى إشراك المواطنين في مواجهة الأعباء التي تطاولهم جميعًا". يشدّد نحال على أن "موظفي القطاع العام يتمسكون بمطالبهم وبالتحركات المطلبية، رغم الزيادات التي أُقرّت أخيرًا"، معتبرًا أن "الإجراءات المتخذة لم ترقَ إلى مستوى المعالجة المطلوبة، ولم تتجاوز إطار الحلول الترقيعية". ويوضح أن "الموظفين حصلوا في 2 شباط على ستة رواتب إضافية، إلى جانب المفعول الرجعي العائد إليها، ثم أُقرّت ستة رواتب أخرى، موزّعة على مرحلتين، بواقع ثلاثة رواتب مع بداية السنة وثلاثة رواتب في آب 2027". ويقول إن "هذه التدابير لا تعبّر عن التطلعات الفعلية للموظفين ولا تلبي مطالبهم الأساسية"، مؤكدًا أن "ما يحصل لا يعدو كونه معالجة مؤقتة لا تضع الأزمة على مسار الحل الجذري". ويضيف أن "اللجوء إلى زيادات متفرقة ومعالجات عشوائية لا يعالج الخلل البنيوي في الرواتب والأجور، بل يُبقي الموظف أسير إجراءات مرحلية لا تضمن استعادة قدرته الشرائية بصورة مستدامة". ويحذّر نحال من أن "هذه السياسة تضع الموظف في مواجهة المواطن، وكأن المطالب المعيشية للعاملين في القطاع العام تأتي على حساب المواطنين، في حين أن هذا ليس هدف التحركات النقابية". فالمطلوب، وفق تأكيده، ليس "نقل الأعباء من فئة إلى أخرى، بل معالجة الأزمة بما يضمن حقوق الموظفين ولا يفاقم الأعباء الملقاة على المواطنين". في معرض تفسيره محدودية التحركات الأخيرة، يشير نحال إلى أن "إقرار الزيادات دفع الموظفين إلى الدخول في مرحلة وصفها بـ "استراحة محارب"، ولا سيما في ظل الظروف الأمنية التي يمر بها لبنان. ويلفت إلى أن هذه "الظروف تشكّل أحد أبرز الأسباب التي تدفع الموظفين إلى التريث قبل اتخاذ قرارات برفع سقف التحركات، سواء عبر الإضرابات أو الاعتصامات أو سائر أشكال الاحتجاج". إلا أن هذا التريث، بحسب شرحه، لا "يعني التخلي عن المطالب، بل يرتبط بضرورة إعادة تقييم المرحلة السابقة واستخلاص دروسها، وتحديد نقاط القوة والضعف التي رافقت التحركات الماضية". ويؤكد نحال أن "المرحلة الحالية تستدعي مراجعة التجربة النقابية السابقة، بالتوازي مع إعداد خطة للتحركات المقبلة، بما يضمن وضوح أهدافها وفاعليتها وقدرتها على تحقيق نتائج ملموسة". فالمسألة، وفق مقاربته، "لا تتعلق بمجرد إعلان إضراب جديد أو تنفيذ تحرك إضافي، بل بكيفية تنظيم المواجهة وتحديد القوى المشاركة فيها، ورسم خطوات آنية ومستقبلية تستند إلى رؤية واضحة". لا يحصر نحال التحضير لأي تحرك مقبل بتجمّع روابط القطاع العام وحده، بل يعتبر أن "المطلوب توسيع قاعدة المشاركة لتشمل القوى المتضررة من السياسات الاقتصادية للدولة، والتي تملك بدورها مصلحة في الاعتراض على هذه السياسات ومواجهتها". ويؤكد أن "التجمّع، الذي يضم العاملين المدنيين والعسكريين في القطاع العام، لا يزال قائمًا ومتمسكًا بمطالبه"، لكنه يشدد على "ضرورة انضمام قوى أخرى إلى هذا المسار، بما يتيح الانتقال من التحركات القطاعية إلى مواجهة أوسع تستند إلى مصالح مشتركة". وفي هذا الإطار، يضع نحال مشاركة المواطنين في صلب أي تحرك مستقبلي، معتبرًا أن "الأعباء الاقتصادية لا تقتصر على موظفي القطاع العام، بل تطاول المجتمع بأكمله". ويشير إلى أن الموازنة، وفق تقييمه، لم "تحقق مكاسب للموظف أو للمواطن، بل أ